gocorporation
download
التعليق على القواعد الحسان المتعلقة بتفسير القرآن - 5
311
عناصر المادة:

الطالب:

القاعدة السابعة والعشرون

المحترزات في القرآن تقع في كل المواضع في أشد الحاجة إليها

وهذه القاعدة جليلة النفع، عظيمة الوقع؛ وذلك أن كل موضع يسوق الله فيه حكمًا من الأحكام، أو خبرًا من الأخبار، فيتشوف الذهن فيه إلى شيء آخر، إلا وجدت الله قد قرن به ذلك الأمر الذي يعلق في الأذهان، فيبينه أحسن بيان.وهذا أعلى أنواع التعليم، الذي لا يبقي إشكالًا إلا أزاله، ولا احتمالًا إلا وضحه، وهذا يدل على سعة علم الله وحكمته، وذلك في القرآن كثير جدًّا.ولنذكر بعض أمثلة توضح هذه القاعدة، وتحسن للداخل الدخول إليها:فمن ذلك قوله تعالى: إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا [النمل: ٩١] لَما خصها بالذكر ربما وقع في بعض الأذهان تخصيص ربوبيته بها، أزال هذا الوهم بقوله: وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ.ومنها قوله تعالى: فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلَاءِ [هود: ١٠٩]، لما كان قد يقع في الذهن أنهم على حجة وبرهان، فأبان بقوله: مَا يَعْبُدُونَ إِلَّا كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ مِنْ قَبْلُأنهم ضُلال اقتدوا بمثلهم.ثم لما كان قد يتوهم متوهم أنهم في طمأنينة من قولهم، وعلى يقين من مذهبهم، وربما يتوهم أيضًا أن الأليق ألا يبسط لهم الدنيا، احترز من ذلك بقوله: وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍإلى قوله: وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ [هود: ١٠٩، ١١٠].ولمَّا قال تعالى: لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [النساء: ٩٥] ربما يظن الظان أنهم لا يستوون مع القاعدين، ولو كانوا معذورين، أزال هذا الوهم بقوله: غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ. وكذلك لما قال تعالى ..طالب آخر: (...) يستوي مع المجاهدين.الشيخ: وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْيعني لا يستوي القاعد والمجاهد، لكن احترز بقوله: غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ. الطالب: أزال هذا الوهم بقوله: غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ، وكذلك لَما قال تعالى: لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا [الحديد: ١٠] ربما توهم أحد أن المفضولين ليس لهم عند الله مقام ولا مرتبة، فأزال هذا الوهم بقوله: وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى.ثم لما كان ربما يتوهم أن هذا الأجر يستحق بمجرد العمل المذكور، ولو خلا من الإخلاص أزال هذا الوهم بقوله: وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ.ومنها: قوله تعالى: وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ [النمل: ٤٨]، ربما وقع في الذهن أنهم يفسدون وقد يصلحون، أزال هذا بقوله: وَلَا يُصْلِحُونَ، أي لا خير فيهم أصلًا مع شرهم العظيم.ومنها: أنه قال في عدة مواضع: وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ [النمل: ٨٠] ربما توهم أحد أنهم وإن لم يسمعوا فإنهم يفهمون الإشارة، أزال هذا الاحتمال بقوله: إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ. فهذه حالة لا تقبل سماعًا ولا رؤية لتحصل الإشارة، وهذا نهاية الإعراض.ومنها: قوله تعالى: وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ [القصص: ٥٦]، ربما توهم أحد أن هدايته تقع جزافًا من غير سبب، أزال هذا بقوله: وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَأي بمن يصلح للهداية لزكاته وخيره، ممن ليس كذلك، فأبان أن هدايته تابعة لحكمته، التي هي وضع الأشياء مواضعها، ومن كان حسن الفهم رأى من هذا النوع شيئًا كثيرًا.طالب آخر: شيخ، بالنسبة: لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [النساء: ٩٥] قال: إنهم لا يستوون مع المجاهدين ولا مع القاعدين، وذكر مع القاعدين فيقال: ولو كانوا من أولي الضرر؟الشيخ: لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَربما يظن الظان أنهم لا يستوون مع القاعدين، ولو كانوا معذورين.الطالب: (...) هم مع المجاهدين ولو كانوا أولي ضرر، يعني: القاعدون إذا كانوا ..الشيخ: (...) لا يستوون..الطالب: مع المجاهدين.الشيخ: إي، كأن الشيخ رحمه الله توهم، ذهب وهمه أنه لا يستوي المجاهدون. الطالب: إي نعم.الشيخ: هذه نعم يحتاج إلى التنبيه عليها، ربما يظن الظان أنهم لا يستوون مع المجاهدين، ولو كانوا معذورين، الصواب: مع المجاهدين.طالب: في بعض الآيات يقول الله سبحانه وتعالى وقد يوقع وهم في أذن السامع، ولا (...) الآية ما يزيل هذا الوهم. الشيخ: مثل؟الطالب: (...) كثيرة.الشيخ: نريد من الكثيرة واحدة. الطالب: يقول الله سبحانه وتعالى: ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ [الأعراف: ٥٤] (...) من الناس يتوهم كيفية (...) وما ذكر في آخر هذه الآية ما (...). الشيخ: لا، كأنه يقول: كل آيات الصفات يتوهم الإنسان المماثلة، ما يتوهم المماثلة في صفات الله إلا إنسان جاهل، ولا من المعلوم أن هناك فرقًا بين الخالق والمخلوق، أو لا؟ أنا لو قلت: عين زيد تقول: مثل عين البجة، والله أنا أخشى أن عينه تكون مثل عين البجة، أو مثل عين الثور كبيرة أو لا، أو مثل عين السيارة.. طالب: (...). الشيخ: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى: ١١].

***

طالب:

القاعدة الثامنة والعشرون

في ذكر الأوصاف الجامعة التي وصف الله بها المؤمن

لما كان الإيمان أصل الخير كله والفلاح، وبفقده يفقد كل خير ديني ودنيوي وأخروي، أكثر الله من ذكره في القرآن جدًّا، أمرًا به ونهيًا عن ضده، وترغيبًا فيه، وبيان أوصاف أهله، وما لهم من الجزاء الدنيوي والأخروي.فأما إذا كان المقام مقام خطاب للمؤمنين بالأمر والنهي، أو مقام إثبات الأحكام الدنيوية بوصف الإيمان، فإنها تتناول كل مؤمن، سواء كان متممًا لواجبات الإيمان وأحكامه، أو ناقصًا في شيء منها.وأما إذا كان المقام مقام مدح وثناء، وبيان الجزاء الكامل للمؤمن، فإنما المراد بذلك المؤمن حقًّا الجامع لمعاني الإيمان.وهذا هو المراد بيانه هنا، فتقول..الشيخ: هذه قاعدة مفيدة، أن الخطاب بالإيمان ينقسم إلى قسمين: خطاب يراد به الإيمان الكامل، وخطاب يراد به مطلق الإيمان.فالأمر والنهي والأحكام المعلقة بالإيمان تشمل الإيمان الكامل وغير الكامل، كل مؤمن وإن كان فاسقًا يؤمر بالصلاة، ويؤمر بالخير، وما أشبه ذلك.وأما إذا كان السياق سياق مدح وثناء، فالمراد به الإيمان الكامل، فلا يدخل فيه الفاسق، فمثلًا قوله تعالى: وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ [الأنفال: ١٩] المراد بذلك الإيمان الكامل.إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ [الأنفال: ٢] المراد الإيمان الكامل وهكذا، والمؤلف ذكر أمثلة. طالب: وبعد سواء العطف (...). الشيخ: لا بأس به جائز، إي نعم (...) إنه قليل.طالب: (...).الشيخ: حسب السياق.طالب: يعني قال: سواءٌ فيه أوسواءً.الشيخ: حسب السياق.الطالب: تتناول كل مؤمن سواءً تكون بالنصب.الشيخ: لا، سواءٌ كان. الطالب: فنقول: وصف الله المؤمن في كتابه باعترافه وتصديقه بجميع عقائد الدين، وبإرادة ما يحبه الله ويرضاه، وبالعمل بما يحبه الله ويرضاه، وبترك جميع المعاصي، وبالمبادرة بالتوبة مما صدر منه منها، وبأن إيمانهم أثر في أخلاقهم وأقوالهم وأفعالهم الآثار الطيبة.فوصف المؤمنين بالإيمان بالأصول الجامعة، وهو الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، وأنهم يؤمنون بكل ما أوتيه الرسل كلهم، ويؤمنون بالغيب، ووصفهم بالسمع والطاعة، والانقياد ظاهرًا وباطنًا، ووصفهم بأنهم: إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا [الأنفال: ٢ - ٤].ووصفهم بأن جلودهم تقشعر، وعيونهم تفيض من الدمع، وقلوبهم تلين، وتطمئن لآيات الله وذكره، وبأنهم يخشون ربهم في الغيب والشهادة، وأنهم يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ [المؤمنون: ٦٠].ووصفهم بالخشوع في أحوالهم عمومًا، وفي الصلاة خصوصًا، وأنهم عن اللغو معرضون، وللزكاة فاعلون، ولفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم، وأنهم بشهاداتهم قائمون، ولأماناتهم وعهدهم مُراعون.طالب آخر: يراعون.الشيخ: لا، عندنا مراعون، الآية: رَاعُونَ [المؤمنون: ٨] لكن تفسيرًا، كأن الشيخ جاب تفسيرًا لهذا.الطالب: ووصفهم باليقين الكامل الذي لا ريب فيه، وبالجهاد بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله.ووصفهم بالإخلاص لربهم في كل ما يأتون ويذرون.ووصفهم بمحبة المؤمنين والدعاء لإخوانهم من المؤمنين السابقين واللاحقين، وأنهم مجتهدون في إزالة الغل من قلوبهم على المؤمنين، وبأنهم يتولون الله ورسوله وعباده المؤمنين، ويتبرؤون من موالاة جميع أعداء الدين، وبأنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويطيعون الله ورسوله في كل أحوالهم.فجمع الله لهم بين العقائد الحقة واليقين الكامل، والإنابة التامة التي آثارها الانقياد لفعل المأمورات، وترك المنهيات، والوقوف على الحدود الشرعية.فهذه الأوصاف الجليلة هي وصف المؤمن المطلق الذي سلم من العقاب، واستحق الثواب، ونال كل خير رُتِّب على الإيمان، فإن الله رتب على الإيمان في كتابه من الفوائد والثمرات ما لا يقل عن مائة فائدة، كل واحدة منها خير من الدنيا وما فيه:رتب على الإيمان نيل رضاه الذي هو أكبر من كل شيء، ورتب عليه دخول الجنة والنجاة من النار، والسلامة من عذاب القبر، ومن صعوبات القيامة وتعثر أحوالهم، والبشرى الكاملة في الحياة الدنيا وفي الآخرة، والثبات في الدنيا على الإيمان والطاعات، وعند الموت، وفي القبر على الإيمان والتوحيد، والجواب النافع السديد، ورتب عليه الحياة الطيبة في الدنيا، والرزق، والحسنة، وتيسير العبد لليسرى، وتجنيبه للعسرى، وطمأنينة القلوب، وراحة النفوس، والقناعة التامة، وصلاح الأحوال، وصلاح الذرية، وجعلهم قرة عين للمؤمن، والصبر عند المحن والمصائب، وحمْل الله عنهم الأثقالَ، ومدافعة الله عنهم جميع الشرور، والنصر على الأعداء، ورفع المؤاخذة عن الناسي، والجاهل، والمخطئ منهم، وأن الله لم يضع عليهم الآصار بل أزالها، ولم يحملهم ما لا طاقة لهم فيه.طالب آخر: يا شيخ، إحنا عندنا: أن الله قد وضع عنهم الآصار.الشيخ: لم يضع عليهم.طالب: عندنا: قد وضع.الشيخ: لا، (عنهم)، وإحنا عندنا: لم يضع عليهم.طالب: المعنى واحد؟الشيخ: لا، بينهما فرق، وضع عنهم الآصار يعني أزالها عنهم، وضعها عليهم يعني معناها حملهم بها.طالب: وضع عنهم.الشيخ: إي، اللي عندكم أوفق للكلام، وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ [الأعراف: ١٥٧] واللي عندنا أوفق لآية البقرة: رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا [البقرة: ٢٨٦]. فالمهم لا بأس، ماشي، هذا واللي عندكم واحدالطالب: وأن الله لم يضع عليهم الآصار بل أزالها ولم ..الشيخ: طيب عندكم: لم يضع، وضع عنهم الآصار؟طلبة: قد وضع.الشيخ: ويش بعدها؟طالب: أن الله قد وضع عنهم الآصار والأغلال التي تكبل بها المقلدون. الشيخ: سبحان الله، الطابع مغير بالكتاب (...) خصوصًا (...) المطبعة عليهم كل شيء.طالب: يمكن ربع الكتاب زيادة عن المخطوط (...)الشيخ: لا، الزيادة وأيضًا التقليد.الطالب: ولم يحملهم ما لا طاقة لهم فيه، ومغفرة الذنوب بإيمانهم، والتوفيق للتوبة.فالإيمان أكبر وسيلة للقرب من الله، والقرب من رحمته، ونيل ثوابه، وأكبر وسيلة لمغفرة الذنوب، وإزالة الشدائد أو تخفيفها.وثمرات الإيمان على وجه التفصيل كثيرة، وبالجملة خيرات الدنيا، والآخرة مرتبة على الإيمان، كما أن الشرور مرتبة على فقده، والله أعلم.طالب آخر: أهل التفسير من المعاصرين يرون إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ [الأنفال: ٢] بالحصر هكذا من لم تتوفر فيه هذه الصفات فليس بمؤمن، الإشكال كبير.الشيخ: هذا رأي الخوارج.طالب: ما الجواب عن قولهم الحصر في هذه الآية ..الشيخ: الحصر أنه المؤمنون كمل

***

طالب:

القاعدة التاسعة والعشرون

في الفوائد التي يجتنيها العبد في معرفته، وفهمه لأجناس علوم القرآن

وهذه القاعدة تكاد تكون هي المقصود الأعظم في علم التفسير؛ وذلك أن القرآن مشتمل على علوم متنوعة، وأصناف جليلة من العلوم، فعلى العبد أن يعرف المقصود من كل نوع منها، ويعمل على هذا، ويتتبع الآيات الواردة فيه، فيحصِّل المراد منها: علمًا، وتصديقًا، وحالًا، وعملًا.فأجلُّ علوم القرآن على الإطلاق: علم التوحيد، وما لله من صفات الكمال، فإذا مرت عليه الآيات في توحيد الله، وأسمائه، وصفاته، أقبل عليها، فإذا فهمها، وفهم المراد بها، أثبتها لله على وجه لا يماثله فيه أحد، وعَرَفَ أنه كما ليس لله مثيل في ذاته، فليس له مثيل في صفاته، وامتلأ قلبه من معرفة ربه وحبه بحسب علمه بكمال الله وعظمته.فإن القلوب مجبولة على محبة الكمال، فكيف بمن له كل الكمال؟ ومنه جميع النعم الجِزَال. ويعرف أن أصل الأصول هو الإيمان بالله، وأن هذا الأصل يقوى ويكمل بحسب معرفة العبد لربه، وفهمه لمعاني صفاته ونعوته، وامتلاء القلب بمعرفتها ومحبتها.وأيضًا يعرف أنه بتكميله هذا العلم تكمل علومه، وأعماله، فإن هذا هو أصل العلم، وأصل التعبد.ومن علوم القرآن: صفات الرسل وأحوالهم..الشيخ: هذا أعلى أنواع العلوم؛ العلم بالله وبأسمائه وصفاته، وبما له من صفات الكمال والجلال والإحسان؛ لأن الله سبحانه وتعالى تدور صفاته على الكمال المطلق والجلال والعظمة والإحسان، ثم بعد ذلك صفات الرسل عليهم الصلاة والسلام، وما جبلوا عليه من مكارم الأخلاق، ومحاسن الأعمال، وهو النوع الثاني. الطالب: ومن علوم القرآن: صفات الرسل وأحوالهم، وما جرى لهم وعليهم مع من وافقهم وخالفهم، وما هم عليه من الأوصاف الوافية.فإذا مرت عليه هذه الآيات عرف بها أوصافهم، وازدادت معرفته بهم ومحبتهم، وعرف ما هم عليه من الأخلاق والأعمال، خصوصًا إمامهم وسيدهم محمد صلى الله عليه وسلم، فيقتدي بأخلاقهم وأعمالهم بحسب ما يقدر عليه، ويفهم أن الإيمان بهم تمامه وكماله معرفته التامة بأحوالهم ومحبتهم واتباعهم. وفي القرآن من نعوتهم الشيء الكثير الذي يحصل به تمام الكفاية.ويستفيد أيضًا الاقتداء بتعليماتهم العالية، وإرشاداتهم للخلق، وحسن خطابهم، ولطفَ جوابهم، وتمام صبرهم، فليس المقصود من قصصهم أن تكون سمرًا، وإنما المقصود أن تكون عبرًا.الشيخ: لقوله تعالى: لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ [يوسف: ١١١]. العبرة في قصص الرسل من وجهين: الوجه الأول من جهة أخلاقهم وصبرهم ومعاناتهم لأحوال الخلق، وكيف يدعون الناس، ويتحملون في الدعوة ما لا يتحمله إلا من كان مثلهم.والوجه الثاني: العبرة بما جرى من أقوامهم وأنهم لم يتقبلوا دعوتهم لأول وهلة، بل نابذوهم وعاندوهم، بل وقاتلوهم، وهذا نوح عليه الصلاة والسلام أول رسول أرسله الله إلى أهل الأرض، لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا، وقد قال الله عنه: وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا [نوح: ٧] نسأل الله العافية.الحاصل أننا نعتبر من وجهين: من جهة حال الرسل، ومن جهة حال المرسل إليه، فإذا دعونا الناس فإننا لا نريد منهم أن يقبلوا منا في أول لحظة، بل لابد أن نعاني منهم، ما نعاني حتى يقبلوا الحق، ولا نيئس، أو نستحسر، أو نقول: هؤلاء لن يهتدوا، ولهذا لما قالت الطائفة الثالثة: لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ [الأعراف: ١٦٤] إي نعم. الطالب: ومن علوم القرآن: علم أهل السعادة والخير، وأهل الشقاوة والشر. وفي معرفته لهم ولأوصافهم ونعوتهم فوائد الترغيب في الاقتداء بالأخيار، والترهيب من أحوال الأشرار، والفرقان بين هؤلاء وهؤلاء وبيان الصفات، والطرق التي وصل بها هؤلاء إلى دار النعيم، وأولئك إلى دار الجحيم ومحبة هؤلاء الأتقياء من الإيمان، كما أن بغض أولئك من الإيمان، وكلما كان العبد أعرف بأحوالهم تمكن من هذه المقاصد.ومن علوم القرآن: علم الجزاء في الدنيا والبرزخ والآخرة على أعمال الخير وأعمال الشر. وفي ذلك مقاصد جليلة: الإيمان بكمال عدل الله وسعة فضله.الشيخ: جليلة، ويش بعدها أيش عندكم من المطبوعة.طالب: جليلة الإيمان.الشيخ: جليلة الإيمان؟طالب: فيه فصل.الشيخ: فيه فصل، عندكم فصل، طيب، وفي ذلك مقاصد جليلة: الإيمان. يعني: منها الإيمان، نعم.

***

الطالب: وفي ذلك مقاصد جليلة: الإيمان بكمال عدل الله وسعة فضله، والإيمان باليوم الآخر، فإن تمامَ الإيمان بذلك يتوقف على معرفة ما يكون فيه، والترغيب والترهيب بالرغبة في الأعمال التي رتب الله عليها الجزاء الجزيل، والرهبة من ضدها.ومن علوم القرآن: الأمر والنهي. وفي ذلك مقاصد جليلة: معرفة حدود ما أنزل الله على رسوله، فإن المكلفين مكلفون بمعرفة ما أمروا به وما نهوا عنه، وبالعمل بذلك، والعلم سابق للعمل، وطريق ذلك: إذا مر عليه نص فيه أمر بشيء عرفه وفَهِم ما يدخل فيه وما لا يدخل، وحاسب نفسه: هل هو قائم بذلك كله أو بعضه أو تاركه، فإن كان قائمًا به فليحمد الله، ويسأله الثبات والزيادة من الخير، وإن كان مقصرًا فيه، فليعلم أنه مطالب به وملزوم به، فليستعن الله على فعله، وليجاهد نفسه على ذلك.وكذلك في النهي ليعرف ما يراد منه، وما يدخل في ذلك الذي نهى الله عنه، ثم لينظر إلى نفسه فإن كان قد ترك ذلك فليحمد الله على ذلك، ويسأله أن يثبته على ترك المناهي.الشيخ: ويسألُه ولّا ويسألْه؟ أسألك.طالب: يجوز.الشيخ: يجوز؟ الطالب: منصوب.الشيخ: وجه ابن جني؟الطالب: منصوب بـ(أن).الشيخ: منصوبة بـ(أن)؟الطالب: مضمر (...) عليه أن يسأله.الشيخ: فليحمد الله على ذلك، ويش بعد؟ ويسألْهُالطالب: معطوفة. الشيخ: على (فليحمد)، صح.الطالب: فليحمد الله على ذلك، ويسألْهُ أن يثبته على ترك المناهي كما يسأله الثباتَ على فعل الطاعات، وليجعل الداعي له على الترك امتثال طاعة الله، ليكونَ تركه عبادةً، كما كان فعله عبادة، وإن كان غير تارك له فليتبْ إلى الله منه توبة جازمة، وليبادر، ولا تمنعه الشهوات الدنية عن مجانبة ما تدعو إليه النفس الأمارة بالسوء.فمن كان عند هذه المطالب وغيرها عاملًا على هذه الطريقة، فإنه ماش على الصراط المستقيم والطريقة المثلى فيما عليه من الاسترشاد بكتاب الله، وحصل له بذلك علم غزير وخير كثير.القاعدة الثلاثونالشيخ: ساقط؟ كل السقط اللي عندك انقله بعدين، شوف القاعدة بالنسبة إلى الطباعة اللي عندكم؛ ما كان زائدًا على الذي عندنا فهو من كيسك، وليكن في كيسك، فهمت؟ وما كان ناقصًا، فإنك تنقله بعد ذلك. طالب: ما معنى السمر.الشيخ: السمر يعني الحديث في الليل، ما فيه أسئلة.طالب: ملخص القاعدة.الشيخ: (...) القاعدة، المؤلف رحمه الله بيَّن أن علوم القرآن متعددة متنوعة، فيه كل العلوم، فيه العلم بالله عز وجل وأسمائه وصفاته، وهذا أعلاها وأجلها، العلم برسله، العلم باليوم الآخر، العلم بأحكام الله الشرعية، وكذلك الكونية، العلم بالجزاء، والعلم -مع أنه ما ذكره المؤلف- العلم بما في الكون، مما يدل على كمال حكمة الله عز وجل ورحمته وسعة علمه.طالب: أوصاف الخير والشر.الشيخ: نعم، العلم بأوصاف هذا الخير والشر، لأجل أن نتصف بما اتصفوا به، بما اتصف به أهل الخير، ونبتعد عما اتصف به أهل الشر.

***

الطالب:

القاعدة الثلاثون

أركان الإيمان بالأسماء الحسنى ثلاثة: إيماننا بالاسم، وبما دل عليه من المعنى، وبما تعلق به من الآثار

وهذه القاعدة العظيمة خاصة بأسماء الرب.وفي القرآن من الأسماء الحسنى ما ينيف عن ثمانين اسمًا كُررت في آيات متعددة بحسب ما يناسب المقام، كما تقدم بعض الإشارة إلى..الشيخ: إحنا ذكرنا في القواعد المثلى كم؟ واحدًا وثمانين، ذكرنا في القواعد المثلى من اللي تتبعناها في القرآن واحدًا وثمانين اسمًا، المؤلف هنا يقول: (ما ينيف) يعني ما يزيد.الطالب: وهذه القاعدة تنفعك في كل اسم من أسمائه الحسنى المتعلقة بالخلق والأمر، والثواب والعقاب، فعليك أن تؤمن بأنه عليم، وذو علم عظيم، محيط بكل شيء، قدير، ذو قدرة وقوة عظيمة، ويقدر على كل شيء، ورحيم، وذو رحمة عظيمة، ورحمته وسعت كل شيء، والثلاثة متلازمة، فالاسم دل على الوصف، وذلك دل على المتعلق، فمن نفى واحدًا من هذه الأمور الثلاثة فإنه لم يتم إيمانه بأسماء الرب وصفاته، الذي هو أصل التوحيد.ولنكتف بهذا الأنموذج ليُعرف أن الأسماء كلها على هذا النمط.الشيخ: وهذه القاعدة مرت علينا، وأن هذه الشروط الثلاثة فيما إذا كان الاسم متعديًا، مثل: السميع، والعليم، الخلاق، وما أشبهها.أما إذا كان لازمًا فإنه يؤمن، أركانه: الإيمان بالاسم والصفة فقط، فمثلًا: الحي، تؤمن بهذا الاسم الحي، اسم من أسماء الله، وتؤمن بأنه ذو حياة، وهذه هي الصفة، لكن ما لها أثر تتعلق به؛ لأن هذه صفة لازمة لا تتعدى موصوفها، مَن الذي أنكر دلالة الاسم على الصفة؟ طالب: المعتزلة.الشيخ: المعتزلة، قالوا: نؤمن بالاسم بدون أن يكون له صفة، فهو سميع بلا سمع، وبصير بلا بصر، ويدَّعون أن الله سميع بذاته، لا بصفة هي السمع، عليم بذاته، لا بصفة هي العلم، إي نعم.طالب: (...) هنا صحيح ولّا خطأ مطبعي. الشيخ: مَن؟طالب: يقول: الاسم إن دلَّ على الوصف، وذلك دلَّ على المتعلق، صحيح ولّا.. الشيخ: صح.طالب: إي معنى وذلك دلَّ على المتعلق.الشيخ: يعني: وصف دلَّ على المتعلق، على ما يتعلق به.طالب: المراد الوصف؟الشيخ: إي نعم.طالب: (...) عربية؟ الشيخ: مشهورة نعم، يمكن أصلها فارسية، لكنها مشهورة؛ عبر بها حتى الفقهاء القدامى.

***

الطالب:

القاعدة الحادية والثلاثون

ربوبية الله في القرآن على نوعين: عامة وخاصة

كثر في القرآن ذكر ربوبية الرب لعباده، ومتعلقاتها، ولوازمها.وهي على نوعين:ربوبية عامة: يدخل فيها المخلوقات كلها: برها وفاجرها، بل مكلفوها وغير المكلفين، حتى الجمادات.وهي أنه تعالى المنفرد بخلقها ورزقها وتدبيرها، وإعطائها ما تحتاجه أو تضطر إليه في بقائها، وحصول منافعها ومقاصدها، فهذه التربية لا يخرج عنها أحد.والنوع الثاني: في تربيته لأصفيائه وأوليائه، فيربيهم بالإيمان الكامل، ويوفقهم لتكميله ويُكملهم بالأخلاق الجميلة، ويدفع عنهم الأخلاقَ الرذيلة، وييسرهم لليسرى ويجنبهم العسرى. وحقيقتها: التوفيق لكل خير، والحفظ من كل شر، وإنالة المحبوبات العاجلة والآجلة، وصرف المكروهات العاجلة والآجلة.فحيث أُطلقت ربوبيته تعالى، فإن المراد بها المعنى الأول، مثل قوله تعالى: رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة: ٢] وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ [الأنعام: ١٦٤] ونحو ذلك.وحيث قُيدت بما يحبه ويرضاه، أو وقع السؤال بها من الأنبياء وأتباعهم، فإنما المراد بها النوع الثاني. وهو متضمن للنوع الأول وزيادة، ولهذا تجد أسئلة الأنبياء وأتباعهم في القرآن بلفظ الربوبية غالبًا، فإن مطالبهم كلها داخلة تحت ربوبيته الخاصة، ليلحظ العبد هذا المعنى النافع.ونظير هذا المعنى الجليل: أن الله أخبر في عدة آيات أن الخلق كلهم عباده وعبيده: إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا [مريم:٩٣] فكلهم مماليكه، وليس لهم من الملك والأمر شيء.ويخبر في بعض الآيات أن عباده بعض خلقه؛ كقوله: وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا [الفرقان: ٦٣] ثم ذكر صفاتهم الجليلة، وكقوله: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عِبَادَهُ}، وفي قراءة عَبْدَهُ [الزمر: ٣٦]، وقوله: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ [الإسراء: ١]، وقوله: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا [البقرة: ٢٣] فالمراد بهذا النوع؛ من قاموا بعبودية الله، وأخلصوا له الدين على اختلاف طبقاتهم، فالعبودية الأولى: يدخل فيها البر والفاجر، والعبودية الثانية: صفة الأبرار، ولكن الفرق بين الربوبية والعبودية: أن الربوبية وصف الرب وفعله، والعبودية وصف العبيد وفعلهم.الشيخ: أفاد المؤلف رحمه الله بهذه القاعدة أن الربوبية على نوعين، والعبودية على نوعين، فالربوبية: عامة وخاصة، والعبودية: عامة وخاصة.والعبودية تتعلق بالعبد، والربوبية تتعلق بالرب. فالعبودية المتعلقة بالربوبية هذه هي العامة، التي معناها الملك والتدبير والخلق، والعبودية المتعلقة بالعبد بمعنى طاعة الله عز وجل هذه خاصة بمن أطاع، وقد اجتمع الصنفان في قوله تعالى: قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٧) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ [الشعراء: ٤٧، ٤٨].رَبِّ الْعَالَمِينَهذه؟ طلبة: عامة.الشيخ: رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ؟ طلبة: خاصة.الشيخ: خاصة.وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا [الفرقان: ٦٣] هذه؟ طلبة: خاصة.الشيخ: خاصة. إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ [مريم: ٩٣]؟ طلبة: عامة.الشيخ: عامة.«يَا عِبَادِى كُلُّكُمْ جَائِعٌ إِلاَّ مَنْ أَطْعَمْتُهُ» . طلبة: عامة.الشيخ: عامة.إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ [الحجر: ٤٢]. طلبة: خاصة.طلبة آخرون: عامة.الشيخ: خاصة؛ لأن الشيطان له سلطان على الذين يتولونه إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩) إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ [النحل: ٩٩، ١٠٠].فإذن إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌهذه العبودية الخاصة.فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ [ص: ٨٢، ٨٣]. طلبة: خاصة.الشيخ: خاصة. طالب: في قوله: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عِبَادَهُ} مما يوهم على أن الشيخ يرى أن قراءة المصحف: {بِكَافٍ عِبَادَهُ} وأن هناك قراءة سبعية: بِكَافٍ عَبْدَهُ.الشيخ: هي كلها قراءة سبعية عَبْدَهُو{عِبَادَهُ}.طالب: (...) يقصد {بِكَافٍ عِبَادَهُ} أنها موجودة في المصحف.الشيخ: ما أظن، لا يُعلَم، لا (...) ما يُعلَم هذا، المصحف اللي بأيدينا هو قراءة عاصم، ما فيه: {بِكَافٍ عِبَادَهُ}.طالب: شيخ (...) يفيد أن عباده. الشيخ: نعم؟طالب: أو المؤلف رحمه الله يعني مسحها.الشيخ: خلاص مسحها راحت. طالب: يفيده؟الشيخ: ويخبر في بعض الآيات أن عباده بعضهم.

***

الطالب:

القاعدة الثانية والثلاثون

إذا أمر الله بشيء كان ناهيًا عن ضده، وإذا نهى عن شيء كان آمرًا بضده، وإذا أثنى على نفسه أو على أوليائه وأصفيائه بنفي شيء من النقائص كان ذلك إثباتًا للكمال

وذلك لأنه لا يمكن امتثال الأمر على وجه الكمال إلا بترك ضده، فحيث أمر بالتوحيد، والصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، وبر الوالدين، وصلة الأرحام، والعدل، كان ناهيًا عن الشرك، وعن ترك الصلاة، وترك الزكاة، وترك الصوم، وترك الحج، وعن العقوق، والقطيعة. وحيث نهى عن الشرك والصلاة إلى آخر..الشيخ: اصبر خلينا نشوف (...) بيقول: (وصلة الأرحام، والعدل كان ناهيًا عن الشرك وعن ترك الصلاة، وترك الزكاة، وترك الصوم، وترك الحج، وعن العقوق، والقطيعة، وحيث نهى عن الشركِ ..).طالب: (...).الشيخ: اصبر، فحيث أمر بالتوحيد، وحيث نهى عن الشرك هه؟ وترك الصلاة أو وإضاعة الصلاةطالب: الشرك؟الشيخ: عن الشرك وإضاعة الصلاة.طالب: (...).الشيخ: عن الشرك وإضاعة الصلاة.الطالب: وحيث نهى عن الشرك وإضاعة الصلاة إلى آخر المذكورات كان ..الشيخ: ويش عندك من الطباعة؟طالب: والصلاة.الشيخ: عن الشرك وعن الصلاة إي، يعني مثل الأصل.طالب: (...) تيجي أنها إضاعة (...).الشيخ: نعم.الطالب: وحيث نهى عن الشرك، وإضاعة الصلاة إلى آخر المذكورات، كان آمرًا بالتوحيد، وفعل الصلاة إلى آخرها، وحيث أمر بالصبر والشكر، وإقبال القلب على الله إنابة ومحبة وخوفًا ورجاء، كان ناهيًا عن الجزع، والسخط، وكفر النعم، وإعراض القلب عن الله في تعلق هذه الأمور بغيره، وحيث نهى عن الجزع وكفران النعم وغفلة القلب، كان آمرًا بالصبر إلى آخر المذكورات.وهذا ضربُ مثلٍ، وإلا فكل الأوامر والنواهي على هذا النمط، وكذلك المدح لا يكون إلا بإثبات الكمالات، فحيث أثنى على نفسه تنزهه عن النقائص والعيوب؛ كالنوم، والسِّنَة، واللُّغوب، والموت، وخفاء شيء في العالم من الأعيان والصفات والأعمال وغيرها، والظلم، فلتضمن ذلك الثناءَ عليه بكمال حياته، وكمال قيوميته، وقدرته، وسعة علمه، وكمال عدله؛ لأن العدم المحض لا كمال فيه حتى يُنفى تكميلًا للكمال، وكذلك إذا نفى الله عن كتابه الريب والاختلافَ والشك، والإخبارَ بخلاف الواقع، كان ذلك لكمال دلالته على اليقين في جميع المطالب، واشتماله على الأحكام، والانتظام التام والصدق الكامل، إلى غير ذلك من صفات كتابه، وكذلك إذا نفى عن رسوله الكذب، والتقول، والجنون، والسحر، والشعر، والغرض، ونحوها، كان ذلك لأجل إثبات كمال صدقه، وأنه لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، ولكمال عقله، ولزوال كل ما يقدح في كمال نبوته، ورسالته .فتفطن لهذه القاعدة في كل ما يمر عليك من الآيات القرآنية في هذه الأمور وغيرها، تنل خيرًا كثيرًا. والله أعلم.الشيخ: المؤلف رحمه الله يقول: في هذه القاعدة أن الله إذا أمر بالشيء، كان نهيًا عن ترك ذلك الشيء، الذي عبر عنه بضده، وإذا نهى عن شيء كان أمرًا بترك ذلك الشيء. نعم.وهذه القاعدة ليست على عمومها عند التتبع، فإن ترك المستحبات المندوبات لا يستلزم أن يقع الإنسان في النهي، ولهذا لا نقول: إن ترك المستحب مكروه، فالمكروه شيء، وترك المستحب شيء آخر.نعم إذا كان الأمر واجبًا كان تركه أيش؟ حرامًا، وأما إذا كان الشيء مستحبًّا، فإنه لا يلزم من تركه أن يقع الإنسان في النهي، وهذا شيء ذكره أهل العلم في الأصول.أما إذا كان النفي من باب المدح والتمدح بالشيء، فإنه إثبات لماذا؟ لضده، فهو يدل على اتصافه بكمال ضده، فإذا نفى عن نفسه النوم فلكمال حياته وقيوميته.وإذا نفى عن نفسه التعب، والإعياء، فلكمال قدرته وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ [ق: ٣٨] يعني من تعب وإعياء، وذلك لكمال قدرته سبحانه وتعالى وقوته، وعلى هذا فقس.وإنما قلنا بذلك لأن النفي المحض عدم محض، والعدم المحض ليس بشيء، فضلا عن أن يكون مدحًا، انتبه للقاعدة.إنما قلنا هذا لأن أيش؟ النفي المحض عدم محض، والعدم المحض ليس شيئًا، فضلًا عن أن يكون كمالًا، فإن العدم المحض عدم ليس بشيء، فضلًا عن أن يكون كمالًا.ولهذا نقول: ما من صفة نفاها الله عن نفسه إلا وهي تتضمن ثبوتًا مقابلًا لهذا النفي، وإلا لو كانت نفيًا محضًا لم تكن كمالًا.

***

الطالب:

القاعدة الثالثة والثلاثون

المرض في القرآن -مرض القلوب- نوعان: مرض شبهات وشكوك، ومرض شهوات محرمات

والطريق إلى تمييز هذا.. طالب آخر: عندنا وفسوق.الشيخ: فسوق، ومرض شهوات للمحرمات.طالب: مرض شهوات وفسوق.الشيخ: عندي للمحرمات.طالب: نعدلها ولّا (...).الشيخ: لا، ماشي، نعم.الطالب: والطريق إلى تمييز هذا من هذا مع كثرة ورودهما في القرآن يُدرك من السياق، فإن كان السياق في ذم المنافقين والمخالفين في شيء من أمور الدين، كان هذا مرض الشكوك والشبهات، وإن كان السياق في ذكر المعاصي، والميل إليها، كان مرضَ شهوة. ووجه انحصار المرض في هذين النوعين: أن مرض القلب خلاف صحته، وصحة القلب الكاملة بشيئين: كمال علمه ومعرفته ويقينه، وكمال إرادته لما يحبه الله ويرضاه.فالقلب الصحيح هو الذي عرف الحق واتبعه، وعرف الباطل وتركه، فإن كان علمه شكًّا وعنده شبهات تُعارض ما أخبر الله به من أصول الدين وفروعه، كان علمه منحرفًا، وكان مرض قلبه قوة وضعفًا بحسب هذه الشكوك والشبهات، وإن كانت إرادته ومحبته مائلة لشيء من معاصي الله، كان ذلك انحرافًا في إرادته ومرضًا، وقد يجتمع الأمران فيكون القلب منحرفًا في علمه وفي إرادته.فمن النوع الأول: قوله تعالى عن المنافقين: فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ [البقرة: ١٠]، وهي الشكوك والشبهات المعارضة لرسالة محمد صلى الله عليه وسلم، فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًاعقوبة على ذلك المرض الناتج عن أسباب متعددة، كلها منهم، وهم فيها غير معذورين.ونظير هذا قوله: وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ [التوبة: ١٢٥]، وكذلك قوله تعالى: لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ [الحج: ٥٣] فإن مريض القلب بالشكوك، وضعف العلم أقل شيء يَريبه ويؤثر فيه ويفتتن به .ومن الثاني: قوله تعالى: فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ [الأحزاب: ٣٢]، أي: مرض شهوة وإرادة للفجور، أقل شيء من أسباب الافتنان يوقعه في الفتنة طمعًا أو فعلًا.فكل من أراد شيئًا من معاصي الله فقلبه مريض مرض شهوة، ولو كان صحيحًا لاتصف بصفات الأذكياء الأبرياء الأتقياء الموصوفين بقوله: وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (٧) فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً [الحجرات: ٧، ٨].فمن كان قلبه على هذا الوصف الذي ذكره الله فليحمده على هذه النعمة التي لا يقاومها شيء من النعم، وليسأل الله الثبات على ذلك، والزيادة من فضل الله ورحمته. القاعدة الرابعة ..الشيخ: خلاصة هذه القاعدة أن المرض -مرض القلوب- ينقسم إلى قسمين: مرض شبهة، وهو نقص في العلم، ومرض شهوة وهو نقص في الإرادة، فإذا اعتلت إرادة الإنسان فذلك مرض الشهوة، اعتلت بمعنى صارت إرادته غير ما يبغي الله ورسوله، فهذا مرض قلبه أيش؟ مرض شهوة.وإذا اعتل القلب بالجهل صار مرضه مرض شبهة؛ لأنه اشتبه عليه الحق فصار مريضًا بذلك، وصحة القلب وسلامته أن يمن الله على الإنسان فيجتمع في قلبه كمال العلم وكمال الإرادة، فإذا اجتمع في القلب كمال العلم وكمال الإرادة فهذا هو القلب الصحيح السليم، وفتش نفسك، فتش قلبك، عالجه، أعتقد أن بعض الناس يطهر بدنه كل يوم بالصابون وأسنانه بالفرشاة لئلا يكون فيها وسخ ودرن، لكن القلب المسكين متروك يشتبه عليه الحق، يريد الباطل ما يهم، ولهذا يجب أننا أن نطهر قلوبنا وننظر فيها، كل يوم نضعها في المختبر والتمحيص حتى ننظر أصحيحة هي أم مريضة؟ ولعلك تقول: كيف يكون هذا القرآن سببًا لزيادة الإيمان في قوم، وسببًا لزيادة الرجس في قوم آخرين؟ فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ [التوبة: ١٢٤، ١٢٥]؛ لأن المؤمنين إذا نزلت الآية صدَّقوا بها، والتصديق زيادة في الإيمان، وأما الذين في قلوبهم مرض فإذا نزلت الآية استكبروا عنها وشكّوا فيها وكذَّبوا، فازدادوا بذلك رجسًا إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون.طالب: الرجس (...).الشيخ: الرجس أصلها التدنس بالأوساخ والأقذار.طالب: معنوية (...).الشيخ: إي نعم، معنوية.

***

الطالب:

القاعدة الرابعة والثلاثون

دل القرآن في عدة آيات أن من ترك ما ينفعه مع الإمكان ابتلي بالاشتغال بما يضره، وحُرم الأمر الأول

وذلك أنه ورد في عدة آيات: أن المشركين لما زهدوا في عبادة الرحمن ابتلوا بعبادة الأوثان، ولما استكبروا عن الانقياد للرسل -بزعمهم أنهم بشر- ابتلوا بالانقياد لكل مارج العقل والدين. ولما عرض عليهم الإيمان أول مرة..الشيخ: هذا واضح لما عدلوا عن عبادة الله ويش عبدوا؟ اللات والعزى، ولما لم ينقادوا لاتباع الرسول عليه الصلاة والسلام اتبعوا أبا جهل وأشباهه، قال ابن القيم:
هَرَبُوا مِنَ الرِّقِّ الَّذِي خُلِقُوا لَــــــــهُ فَبُلُوا بِرِقِّ النَّفْــــــــــــــسِ وَالشَّيْطَــــــــــانِ
فهؤلاء لما: (هربوا من الرق الذي خلقوا له) وهو عبادة الله عز وجل (بلوا برق النفس والشيطان)، فكانوا عبادًا للشياطين ولأنفسهم الأمّارة بالسوء. الطالب: ولما عرض عليهم الإيمان أول مرة فعرفوه ثم تركوه، قلب الله قلوبهم، وطبع عليها وختم، فلا يؤمنون حتى يروا العذاب الأليم. ولما بين لهم الصراط المستقيم وزاغوا عنه اختيارًا ورضًا بطريق الغي على طريق الهدى، عوقبوا بأن أزاغ الله قلوبهم، وجعلهم حائرين في طريقهم.ولما أهانوا آيات الله ورسله أهانهم الله بالعذاب المهين. ولما استكبروا عن الانقياد للحق أذلهم الله في الدنيا والآخرة. ولما منعوا مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وأخربوها .. طالب آخر: (...). الشيخ: (...) ما فيها شيء.الطالب: مارج العقل.الشيخ: فاسد (...). الطالب: ولما استكبروا عن الانقياد للحق أذلهم في الدنيا والآخرة. ولما منعوا مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وأخربوها ما كان لهم بعد ذلك أن يدخلوها إلا خائفين: وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥) فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٧٦) فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ [ التوبة: الآيات ٧٥- ٧٧].والآيات في هذا المعنى كثيرة جدًّا يخبر فيها أن العبد كان قبل ذلك بصدد أن يهتدي

طالب: .. أو حدوثه، ففي غير هذه الحالة من باب أولى وأحرى، وأيضًا ففي هذا بيان للحالة الموجودة غالبًا عندهم؛ فالتعرض لذكر الأسباب الموجودة الحادثة يكون أجلى وأوضح للمسائل.
وأما قوله تعالى في الرجعة: وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا [البقرة: ٢٢٨].
فمِن العلماء من قال: إن ..

طالب آخر: رجعية.
الشيخ: كيف؟
طالب: رجعية ولَّا رجعة؟
الشيخ: وأما قوله تعالى في الرجعة.
الطالب: فمن العلماء من قال: إنه من هذا النوع، وإنه يستحق ردَّها؛ سواء أراد الإصلاح، أو لم يرده. فيكون ذكر هذا القيد حثًّا على لزوم ما أمر الله به من قصد الإصلاح، وتحريمًا لردها على وجه المضارة، وإن كان يملك ردَّها؛ كقوله تعالى: فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ [البقرة: ٢٣١].
ومن العلماء من جعل هذا القيد على الأصل العام، وأن الزوج لا يستحق رجعة زوجته في عدتها؛ إلا إذا قصد الإصلاح، فأما إذا قصد ضد ذلك؛ فلا حق له في رجعتها، وهذا هو الصواب.
ومنها قوله تعالى: وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ [البقرة: ٢٨٣].
مع أن الرهن يصح حضرًا وسفرًا.
ففائدة هذا القيد: أن الله ذكر أعلى الحالات، وأشد الحاجات للرهن، وهي هذه الحالة في السفر، والكاتب مفقود، والرهن مقبوض، فأحوج ما يحتاج الإنسان للرهن في هذه الحالة التي تعذرت فيها التوثقات إلا بالرهن المقبوض، وكما قاله الناس في قيد السفر فكذلك على الصحيح في قيده بالقبض. وأن قبضه ليس شرطًا لصحته، وإنما ذلك للاحتياط، وزيادة الاستيثاق، وكذلك فقد الكاتب، ومنها..

الشيخ: قوله: (ليس شرطًا لصحته) لعله يريد ليس شرطًا للزومه؛ لأن قبض الرهن ليس شرطًا للصحة، فالرهن يصح كما سبق، وإن لم يقبض، لكنه لا يلزم إلا بالقبض، فلو اشتريت منك شيئًا بدراهم وقلت: رهنتك سيارتي، ولا أعطيتك السيارة؛ فالرهن؟
طلبة: ليس بلازم.
الشيخ: صحيح، لكنه ليس بلازم، فلعل الشيخ رحمه الله يريد بالصحة هنا -يريد بذلك- اللزوم، وإلا فلا أعلم أحدًا قال بأنه لا يصح إذا لم يُقبض، وإنما اختلفوا في لزومه، وقد سبق لنا أن القول الراجح أنه يلزم وإن لم يُقبض، وأن عمل الناس اليوم على هذا.
الطالب: ومنها قوله تعالى: وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ [البقرة: ٢٨٢].
مع أن الحق يثبت بالرجل والمرأتين، ولو مع وجود الرجلين، لكن ذكر الله أكمل حالة يحصل بها الحفظ للحقوق، بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بالشاهد الواحد مع اليمين ، والآية ليس فيها ذلك لهذه الحكمة، وهو أن الآية أرشد الله فيها عباده إلى أعلى حالة يحفظون بها حقوقهم، لتمام راحتهم، وحسم اختلافهم ونزاعهم، وأما قوله تعالى ..

الشيخ: واضح هذه؟ الشهود في المال رجلان أو رجل ويمين المدعي كذا، مثلا أدّعي عليك بأني أطلبك مئة ريال وتنكر، وعندي شهود واحد فقط، وحلفت مع الشاهد؛ فإنه يُقضى لي بالحق، ويلزمك ما ادعيته عليك، فالبينة في الأموال ثلاثة: رجلان، رجل وامرأتان، رجل ويمين المدعي.
طيب لو جبنا أربعة رجال؛ يصلح؟
طلبة: من باب أولى.
الشيخ: إي نعم من باب أولى، صح.
طالب: شيخ، طيب كيف نجمع بين هذا القول وهو يجوز شاهد واحد ويمين المدعي، والأصل في أن اليمين على من أنكر وبين..
الشيخ: هذا قاله الرسول عليه الصلاة والسلام، واليمين ما هي بعلى من أنكر، ذكرنا أن القول الراجح: أن اليمين في جانب أقوى المتداعيين، ولما أتى بالشاهد قوي جانبه.
طالب: أربع نساء لا تقبل؟
الشيخ: ما تقبل على المذهب.
الطالب: والصحيح يا شيخ؟
الشيخ: الصحيح إن شاء الله يأتينا في باب القضاء.
الطالب: وأما قوله تعالى: فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَىفإنها من أصل القاعدة، ويظن بعض الناس أنها من هذا النوع، وأنه يجب التذكير، نفعت أو لم تنفع، لكن هذا غلط، فنفع الذكرى إذا كان يحصل بها الخير أو بعضه، أو يزول بها الشر كله أو بعضه.
فأما إذا كان ضرر التذكير أعظم من نفعه؛ فإنه منهي عنه في هذه الحال، كما نهى الله عن سب آلهة المشركين إذا كان وسيلة لسب الله، وكما يُنهى عن الأمر بالمعروف إذا كان يترتب على ذلك شر أكبر، أو فوات خير أكثر من الخير الذي يؤمر به.
وكذلك النهي عن المنكر إذا ترتب عليه ما هو أعظم منه من شر أو ضرر، فالتذكير في هذه الحال غير مأمور به، بل منهي عنه.
وكل هذا من تفصيل قوله تعالى: ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ [النحل: ١٢٥].
فعلم أن هذا قيد مراد ثبوت الحكم بثبوته، وانتفاء الحكم لانتفائه، والله أعلم.
ومنها قوله تعالى ..

الشيخ: هذه فيها خلاف بين العلماء، هل إن قوله: إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَىقيد، والمعنى أنه لا يجب التذكير إلا إذا نفعت الذكرى، فإن لم تنفع فلا تُذكر؛ لأنه لا فائدة منه، بل هو مضيعة للوقت، أو أن هذا القيد يعني للنداء عليهم، بأن هؤلاء ما ينفع فيهم الخير، لكن أنت ذكِّر على كل حال؛ مثلما تقول: علمه إن كان العلم بينفعه، هل معناه أنك ما تعلمه إلا إذا كان بينفعه، أو إنا نعلمه بكل حال؟ الثانية، إذ يرى بعض العلماء أنها من هذا الباب، وعلى القول الأول الذي يرجحه الشيخ رحمه الله يكون قيدًا مرادًا، وأنه إذا لم تنفع الذكرى لم تجب، وفي هذا المقام لا تخلو الحال من ثلاثة أمور: إما أن تنفع أو تضر، أو لا تنفع ولا تضر.
إن نفعت وجب التذكير، وإن ضرت فلا تذكير؛ يُنهى عن التذكير، وإن لم تضر ولم تنفع فإنها لا تجب ولا يُنهى عنها، لكن هل الأولى أن يُذكِّر إظهارًا للحق وبيانًا له، ولعلهم يرجعوا إلى الحق فيما بعد..
طالب: فيه فائدة ..
الشيخ: هذا هو الظاهر، إذا لم يكن مضرة؛ فإنه ينبغي أن يُذكِّر، أما إذا نفعت؛ فإنه يجب أن يُذكر.
طالب: لكن ما تنفع يا شيخ في إقامة الحجة عليهم، وهذا نافع في كل حال.
الشيخ: نعم.
الطالب: إقامة الحجة عليهم نفع.
الشيخ: إي، بس ما تجب ما دام اعتبرنا هذا قيدًا، إنه ما يجب إلا إذا نفع.
طالب: إذا ضرت؟
الشيخ: قد تصل إلى التحريم، إي نعم.
طالب: أيش (...).
الشيخ: والله ما يترجح عندي شيء، إن نظرنا إلى وجوب التذكير، وإعلان الشرع وبيانه، قلنا: إن الآية تدل على أن ذكر إن كان هؤلاء بينفع فيهم الذكر، ويكون هذا المقصود به النداء على عنادهم، وعلى استكبارهم، وعدم رجوعهم للحق.
طالب: فيه آيات يا شيخنا، مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ [المائدة: ٩٩] يعني آيات كثيرة تبين لا بد من بيان الحق، وإن لم ينتفع الناس.
الشيخ: على كل حال هذا موضع خلاف بين العلماء، وكما رأيتم اختلاف العلماء، والشيخ رحمه الله يرجح أنه قيد، وأن الذكرى لا تجب إلا إذا نفعت.
الطالب: ومنها قوله تعالى: وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ [البقرة: ٦١].
مع أنه لا يقع قتلهم إلا بغير حق، فهذا نظير ما ذكره في الشرك، وأن هذا تشنيع لهذه الحالة التي لا شبهة لصاحبها، بل صاحبها أعظم الناس جرمًا، وأشدهم إساءة.
وأما قوله: وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ [الأنعام: ١٥١] فليست من هذا النوع، وإنما هي من النوع الأول الذي هو الأصل، والحق الذي قيدها الله به جاء مفسرًا في قوله صلى الله عليه وسلم: «النَّفْسُ بِالنَّفْسِ، وَالزَّانِي الْمُحْصَنُ، وَالتَّارِكُ لِدِينِهِ الْمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ» .
ومنها قوله تعالى: وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا [المائدة: ٦] مع أن فقد الماء ليس من شرطه وجود السفر، فإنه إذا فقد جاز التيمم حضرًا أو سفرًا، لكن ذكر السفر بيان للحالة الغالبة الموجودة، التي يفقد فيها الماء، وأما الحضر فإنه يندر فيه عدم الماء جدًّا.
ومن هذا السبب ظن بعض العلماء أن السفر وحده مبيح للتيمم، وإن كان الماء موجودًا، وهذا في غاية الضعف، وهدي الرسول وأصحابه والمسلمين مخالف لهذا القول.
ومن ذلك قوله تعالى ..

الشيخ: كذلك أيضًا قوله: وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً، فإن المريض لا يُشترط لجواز تيممه فقدان الماء، فليتيمم وإن كان على حوض الماء؛ لأنه مريض، لكن ذكر الله تعالى فَلَمْ تَجِدُوا مَاءًهذا في السفر، وأما المريض فيجوز أن يتيمم سواء وجد الماء أم لم يجده.
طالب: (...) رفع الحدث وليس من مبيح.
طالب آخر: طيب إذا صار في خمسة عشر مثلًا واحدًا أو أربعة عشر، ناس يعني (...) الحج، رايحين ومعهم مياه تكفي للطعام فقط (...) محطات هل يجوز أنهم يتيممون أو أنهم يروحون (...).
الشيخ: إذا كانت قريبة.
الطالب: في محطات (...).
الشيخ: أقول: إذا كانت قريبة هو ما يجوز يتيمموا؛ لأن الماء قريب، أما إذا كانت بعيدة فلهم أن يتيمموا.
طالب: شيخ، قوله: وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ، يعني كأن بِغَيْرِ الْحَقِّهذه ليست قيدًا، وإنما لبيان حال هؤلاء..
الشيخ: إي نعم، لكن ظاهرها أنها قيد لكنها ليست مرادة.
الطالب: ومن ذلك قوله تعالى: وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا [النساء: ١٠١]، مع أن الخوف ليس بشرط لصحة القصر ومشروعيته بالاتفاق.
ولما أورد هذا على النبي صلى الله عليه وسلم قال في جوابه: «صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللهُ بِهَا عَلَيْكُمْ، فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ» . يعني وصدقة الله وإحسانه في كل زمان ومكان، لا تقيد بخوف ولا غيره.
ومن العلماء من قال: إن هذا القيد من القسم الأول، وأن القصر التام -وهو قصر العدد وقصر الأركان والهيئات- شرطه اجتماع السفر والخوف كما في الآية، فإن وجد الخوف وحده لم يقصر عدد الصلاة، وإنما تقصر هيئاتها وصفاتها.
وإن وجد السفر وحده لم تقصر هيئاتها وشروطها، وإنما يقصر عددها، ولا ينافي هذا كلام النبي صلى الله عليه وسلم، فإنهم إنما سألوه عن قصر العدد فقط، فأجابهم بأن الرخصة فيه عامة في كل الأحوال.
وهذا تقرير مليح موافق للآية غير مخالف لحديث الرسول، فيتعين الأخذ به.

الشيخ: فيه أيضًا بعض الآيات، مثل قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً [آل عمران: ١٣٠].
فإن قوله: أَضْعَافًا مُضَاعَفَةًليس قيدًا، ولكنه بيان لأشنع الحالات في الربا، وهي أن يأكله الإنسان أضعافًا مضاعفة كما يفعلون في الجاهلية إذا حل الدين، قال: إما أن تُوفيني وإما أن تُربي. فإن أوفاه فقد استوفى حقه، وإن لم يُوف قال: المئة اللي عليك نجعلها بمئة وعشرين، فإذا جاء الأجل الثاني ولم يوف قال: يجب نجعل المئة وعشرين نجعلها مئة وأربعين، أو مئة وخمسين، وهذا أشنع ما يكون.
لا يقال: إن قوله: لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةًيدل على جواز الربا مرة واحدة، وإن كان بعض الناس قد قال به، لكنه أخطأ؛ لأننا نقول: إذا كنت تريد ذلك، فلماذا تمنع الزيادة الثانية مع أنه لم يأكله أضعافًا مضاعفة، وإنما أكله ضعفًا واحدًا.
يعني مثلًا: أعطيتك مئة درهم بمئة وعشرين إلى سنة، قال بعض الناس: إن هذا جائز، ليش؟ قال: لأن الله قال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةًفالعقد الأول الذي فيه الربا ليس حرامًا، وبناء على ذلك فإن معاملة البنوك تعتبر غير ربوية، إلا إذا كرروا الزيادة، قال: فإن قال عند رأس الحول، أو عند تمام الأجل زدتك، صار ربًا، نقول له: إنك لم تأخذ بالآية؛ لأن الله يقول: أَضْعَافًا مُضَاعَفَةًوأنت الآن قلت: إن أول ضعف، يكون؟
طالب: حلالًا.
الشيخ: لا، يكون حرامًا، أول ضِعف يكون حرامًا، فإن كنت تريد أن تأخذ بالآية فقل: إن أول ضِعف ليس بحرام أيضًا، وإلا فقد خالفت قاعدتك، لكن الأمر كما قلنا: إن هذا القيد لبيان أشنع الأحوال، أو أشنع المعاملات التي يكون فيها الربا.
ومن هذا قوله تعالى: وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا [النور: ٣٣] يعني فإن امتنعن عن البغاء لغير التحصن فأكرههن، كذا؟
طلبة: بلى.
الشيخ: لا، ليس الحكم كذلك، وإن كان ظاهر الآية هو هذا، لكنا نقول: إن الآية ذكرت أشنع ما يكون؛ لأن إكراه الإنسان أمته على البغاء وهي تريد التحصن، هذا من أشنع ما يكون؛ لأنها صارت هي أطهر منه، أو أطهر منه، وأنقى منه ثوبًا، فالحاصل أن مثل هذه الآيات، أو هذه القيود، ينبغي التفطن لها.
طالب: يا شيخ، وإن أراد يا شيخ أن يتوب من أكل الربا، تاب، فماذا يفعل في معاملاته وأمواله كلها..
الشيخ: محل هذا البحث في الفقه، محله في الفقه، مع أن الشيخ ما ذكر الآية، لكن أنا ذكرتها لأنها ذُكرت في منشور نُشر، نشره بعض الناس أن معاملة البنوك هذه حلال، وليس فيها شيء، واستدل بهذه الآية، كما استدل بها أساتذته الذين اقتدى بهم، ولكن هذا ليس بصحيح، مخالف للكتاب والسنة وإجماع المسلمين؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال في بيع الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والتمر بالتمر: «مِثْلًا بِمِثْلٍ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ، يَدًا بِيَدٍ، فَمَنْ زَادَ أَوِ اسْتَزَادَ فَقَدْ أَرْبَى» .
طالب: شيخ، ما ترد عليهم الآية: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا [البقرة: ٢٧٨].
الشيخ: إي، هم يقولون: إن الربا اللي كان أضعافًا مضاعفة (...).

الطالب:

القاعدة السابعة والعشرون

المحترزات في القرآن تقع في كل المواضع في أشد الحاجة إليها

وهذه القاعدة جليلة النفع، عظيمة..

الشيخ: طيب، خلاصة القاعدة الأولى أن الأصل في القيود والشروط.
طالب: الاعتبار.
الشيخ: أنها معتبرة، وأن الحكم في مفهوم المخالفة ثابت إلا في مسائل قليلة، دلَّ الدليل على أن هذا القيد أو الشرط ليس مفهوم المخالفة فيه مخالفًا لحكم المنطوق، وإنما ذُكرت هذه القيود إما لبيان الواقع، وإما لبيان الغالب، وإما لذكر الحال التي هي أعلى ما يكون في الشناعة، أو ما أشبه ذلك، عرفتم؟
ثم هل يصح أن نعبر ونقول: هي غير مرادة؟
يقول الشيخ: لا، إن هذا غلط؛ لأن الله تعالى لم يذكر في كلامه شيئًا إلا كان مرادًا، لكنه يراد به ليس إثبات نقيض الحكم بالمخالف، ولكن يراد به مسائل، أو التنبيه على حالات تتبين بالتأمل.
طالب: نقول: ملغاة؟
الشيخ: ولا نقول: ملغاة، ولكن نقول: إن المخالفة في هذا الحكم لا تخالف المنطوق.

***

القاعدة السابعة والعشرون: المحترزات في القرآن تقع في كل المواضع في أشد الحاجة إليها
00:21:51

الطالب:

القاعدة السابعة والعشرون

المحترزات في القرآن تقع في كل المواضع في أشد الحاجة إليها

وهذه القاعدة جليلة النفع، عظيمة الوقع؛ وذلك أن كل موضع يسوق الله فيه حكمًا من الأحكام، أو خبرًا من الأخبار، فيتشوف الذهن فيه إلى شيء آخر، إلا وجدت الله قد قرن به ذلك الأمر الذي يعلق في الأذهان، فيبينه أحسن بيان.
وهذا أعلى أنواع التعليم، الذي لا يبقي إشكالًا إلا أزاله، ولا احتمالًا إلا وضحه، وهذا يدل على سعة علم الله وحكمته، وذلك في القرآن كثير جدًّا.
ولنذكر بعض أمثلة توضح هذه القاعدة، وتحسن للداخل الدخول إليها:
فمن ذلك قوله تعالى: إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا [النمل: ٩١] لَما خصها بالذكر ربما وقع في بعض الأذهان تخصيص ربوبيته بها، أزال هذا الوهم بقوله: وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ.
ومنها قوله تعالى: فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلَاءِ [هود: ١٠٩]، لما كان قد يقع في الذهن أنهم على حجة وبرهان، فأبان بقوله: مَا يَعْبُدُونَ إِلَّا كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ مِنْ قَبْلُأنهم ضُلال اقتدوا بمثلهم.
ثم لما كان قد يتوهم متوهم أنهم في طمأنينة من قولهم، وعلى يقين من مذهبهم، وربما يتوهم أيضًا أن الأليق ألا يبسط لهم الدنيا، احترز من ذلك بقوله: وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍإلى قوله: وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ [هود: ١٠٩، ١١٠].
ولمَّا قال تعالى: لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [النساء: ٩٥] ربما يظن الظان أنهم لا يستوون مع القاعدين، ولو كانوا معذورين، أزال هذا الوهم بقوله: غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ.
وكذلك لما قال تعالى ..

طالب آخر: (...) يستوي مع المجاهدين.
الشيخ: وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْيعني لا يستوي القاعد والمجاهد، لكن احترز بقوله: غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ.
الطالب: أزال هذا الوهم بقوله: غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ، وكذلك لَما قال تعالى: لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا [الحديد: ١٠] ربما توهم أحد أن المفضولين ليس لهم عند الله مقام ولا مرتبة، فأزال هذا الوهم بقوله: وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى.
ثم لما كان ربما يتوهم أن هذا الأجر يستحق بمجرد العمل المذكور، ولو خلا من الإخلاص أزال هذا الوهم بقوله: وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ.
ومنها: قوله تعالى: وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ [النمل: ٤٨]، ربما وقع في الذهن أنهم يفسدون وقد يصلحون، أزال هذا بقوله: وَلَا يُصْلِحُونَ، أي لا خير فيهم أصلًا مع شرهم العظيم.
ومنها: أنه قال في عدة مواضع: وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ [النمل: ٨٠] ربما توهم أحد أنهم وإن لم يسمعوا فإنهم يفهمون الإشارة، أزال هذا الاحتمال بقوله: إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ. فهذه حالة لا تقبل سماعًا ولا رؤية لتحصل الإشارة، وهذا نهاية الإعراض.
ومنها: قوله تعالى: وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ [القصص: ٥٦]، ربما توهم أحد أن هدايته تقع جزافًا من غير سبب، أزال هذا بقوله: وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَأي بمن يصلح للهداية لزكاته وخيره، ممن ليس كذلك، فأبان أن هدايته تابعة لحكمته، التي هي وضع الأشياء مواضعها، ومن كان حسن الفهم رأى من هذا النوع شيئًا كثيرًا.

طالب آخر: شيخ، بالنسبة: لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [النساء: ٩٥] قال: إنهم لا يستوون مع المجاهدين ولا مع القاعدين، وذكر مع القاعدين فيقال: ولو كانوا من أولي الضرر؟
الشيخ: لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَربما يظن الظان أنهم لا يستوون مع القاعدين، ولو كانوا معذورين.
الطالب: (...) هم مع المجاهدين ولو كانوا أولي ضرر، يعني: القاعدون إذا كانوا ..
الشيخ: (...) لا يستوون..
الطالب: مع المجاهدين.
الشيخ: إي، كأن الشيخ رحمه الله توهم، ذهب وهمه أنه لا يستوي المجاهدون.
الطالب: إي نعم.
الشيخ: هذه نعم يحتاج إلى التنبيه عليها، ربما يظن الظان أنهم لا يستوون مع المجاهدين، ولو كانوا معذورين، الصواب: مع المجاهدين.
طالب: في بعض الآيات يقول الله سبحانه وتعالى وقد يوقع وهم في أذن السامع، ولا (...) الآية ما يزيل هذا الوهم.
الشيخ: مثل؟
الطالب: (...) كثيرة.
الشيخ: نريد من الكثيرة واحدة.
الطالب: يقول الله سبحانه وتعالى: ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ [الأعراف: ٥٤] (...) من الناس يتوهم كيفية (...) وما ذكر في آخر هذه الآية ما (...).
الشيخ: لا، كأنه يقول: كل آيات الصفات يتوهم الإنسان المماثلة، ما يتوهم المماثلة في صفات الله إلا إنسان جاهل، ولا من المعلوم أن هناك فرقًا بين الخالق والمخلوق، أو لا؟
أنا لو قلت: عين زيد تقول: مثل عين البجة، والله أنا أخشى أن عينه تكون مثل عين البجة، أو مثل عين الثور كبيرة أو لا، أو مثل عين السيارة..
طالب: (...).
الشيخ: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى: ١١].

***

القاعدة الثامنة والعشرون: في ذكر الأوصاف الجامعة التي وصف الله بها المؤمن
00:31:07

طالب:

القاعدة الثامنة والعشرون

في ذكر الأوصاف الجامعة التي وصف الله بها المؤمن

لما كان الإيمان أصل الخير كله والفلاح، وبفقده يفقد كل خير ديني ودنيوي وأخروي، أكثر الله من ذكره في القرآن جدًّا، أمرًا به ونهيًا عن ضده، وترغيبًا فيه، وبيان أوصاف أهله، وما لهم من الجزاء الدنيوي والأخروي.
فأما إذا كان المقام مقام خطاب للمؤمنين بالأمر والنهي، أو مقام إثبات الأحكام الدنيوية بوصف الإيمان، فإنها تتناول كل مؤمن، سواء كان متممًا لواجبات الإيمان وأحكامه، أو ناقصًا في شيء منها.
وأما إذا كان المقام مقام مدح وثناء، وبيان الجزاء الكامل للمؤمن، فإنما المراد بذلك المؤمن حقًّا الجامع لمعاني الإيمان.
وهذا هو المراد بيانه هنا، فتقول..

الشيخ: هذه قاعدة مفيدة، أن الخطاب بالإيمان ينقسم إلى قسمين: خطاب يراد به الإيمان الكامل، وخطاب يراد به مطلق الإيمان.
فالأمر والنهي والأحكام المعلقة بالإيمان تشمل الإيمان الكامل وغير الكامل، كل مؤمن وإن كان فاسقًا يؤمر بالصلاة، ويؤمر بالخير، وما أشبه ذلك.
وأما إذا كان السياق سياق مدح وثناء، فالمراد به الإيمان الكامل، فلا يدخل فيه الفاسق، فمثلًا قوله تعالى: وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ [الأنفال: ١٩] المراد بذلك الإيمان الكامل.
إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ [الأنفال: ٢] المراد الإيمان الكامل وهكذا، والمؤلف ذكر أمثلة.
طالب: وبعد سواء العطف (...).
الشيخ: لا بأس به جائز، إي نعم (...) إنه قليل.
طالب: (...).
الشيخ: حسب السياق.
طالب: يعني قال: سواءٌ فيه أوسواءً.
الشيخ: حسب السياق.
الطالب: تتناول كل مؤمن سواءً تكون بالنصب.
الشيخ: لا، سواءٌ كان.
الطالب: فنقول: وصف الله المؤمن في كتابه باعترافه وتصديقه بجميع عقائد الدين، وبإرادة ما يحبه الله ويرضاه، وبالعمل بما يحبه الله ويرضاه، وبترك جميع المعاصي، وبالمبادرة بالتوبة مما صدر منه منها، وبأن إيمانهم أثر في أخلاقهم وأقوالهم وأفعالهم الآثار الطيبة.
فوصف المؤمنين بالإيمان بالأصول الجامعة، وهو الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، وأنهم يؤمنون بكل ما أوتيه الرسل كلهم، ويؤمنون بالغيب، ووصفهم بالسمع والطاعة، والانقياد ظاهرًا وباطنًا، ووصفهم بأنهم: إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا [الأنفال: ٢ - ٤].
ووصفهم بأن جلودهم تقشعر، وعيونهم تفيض من الدمع، وقلوبهم تلين، وتطمئن لآيات الله وذكره، وبأنهم يخشون ربهم في الغيب والشهادة، وأنهم يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ [المؤمنون: ٦٠].
ووصفهم بالخشوع في أحوالهم عمومًا، وفي الصلاة خصوصًا، وأنهم عن اللغو معرضون، وللزكاة فاعلون، ولفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم، وأنهم بشهاداتهم قائمون، ولأماناتهم وعهدهم مُراعون.

طالب آخر: يراعون.
الشيخ: لا، عندنا مراعون، الآية: رَاعُونَ [المؤمنون: ٨] لكن تفسيرًا، كأن الشيخ جاب تفسيرًا لهذا.
الطالب: ووصفهم باليقين الكامل الذي لا ريب فيه، وبالجهاد بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله.
ووصفهم بالإخلاص لربهم في كل ما يأتون ويذرون.
ووصفهم بمحبة المؤمنين والدعاء لإخوانهم من المؤمنين السابقين واللاحقين، وأنهم مجتهدون في إزالة الغل من قلوبهم على المؤمنين، وبأنهم يتولون الله ورسوله وعباده المؤمنين، ويتبرؤون من موالاة جميع أعداء الدين، وبأنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويطيعون الله ورسوله في كل أحوالهم.
فجمع الله لهم بين العقائد الحقة واليقين الكامل، والإنابة التامة التي آثارها الانقياد لفعل المأمورات، وترك المنهيات، والوقوف على الحدود الشرعية.
فهذه الأوصاف الجليلة هي وصف المؤمن المطلق الذي سلم من العقاب، واستحق الثواب، ونال كل خير رُتِّب على الإيمان، فإن الله رتب على الإيمان في كتابه من الفوائد والثمرات ما لا يقل عن مائة فائدة، كل واحدة منها خير من الدنيا وما فيه:
رتب على الإيمان نيل رضاه الذي هو أكبر من كل شيء، ورتب عليه دخول الجنة والنجاة من النار، والسلامة من عذاب القبر، ومن صعوبات القيامة وتعثر أحوالهم، والبشرى الكاملة في الحياة الدنيا وفي الآخرة، والثبات في الدنيا على الإيمان والطاعات، وعند الموت، وفي القبر على الإيمان والتوحيد، والجواب النافع السديد، ورتب عليه الحياة الطيبة في الدنيا، والرزق، والحسنة، وتيسير العبد لليسرى، وتجنيبه للعسرى، وطمأنينة القلوب، وراحة النفوس، والقناعة التامة، وصلاح الأحوال، وصلاح الذرية، وجعلهم قرة عين للمؤمن، والصبر عند المحن والمصائب، وحمْل الله عنهم الأثقالَ، ومدافعة الله عنهم جميع الشرور، والنصر على الأعداء، ورفع المؤاخذة عن الناسي، والجاهل، والمخطئ منهم، وأن الله لم يضع عليهم الآصار بل أزالها، ولم يحملهم ما لا طاقة لهم فيه.

طالب آخر: يا شيخ، إحنا عندنا: أن الله قد وضع عنهم الآصار.
الشيخ: لم يضع عليهم.
طالب: عندنا: قد وضع.
الشيخ: لا، (عنهم)، وإحنا عندنا: لم يضع عليهم.
طالب: المعنى واحد؟
الشيخ: لا، بينهما فرق، وضع عنهم الآصار يعني أزالها عنهم، وضعها عليهم يعني معناها حملهم بها.
طالب: وضع عنهم.
الشيخ: إي، اللي عندكم أوفق للكلام، وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ [الأعراف: ١٥٧] واللي عندنا أوفق لآية البقرة: رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا [البقرة: ٢٨٦]. فالمهم لا بأس، ماشي، هذا واللي عندكم واحد
الطالب: وأن الله لم يضع عليهم الآصار بل أزالها ولم ..
الشيخ: طيب عندكم: لم يضع، وضع عنهم الآصار؟
طلبة: قد وضع.
الشيخ: ويش بعدها؟
طالب: أن الله قد وضع عنهم الآصار والأغلال التي تكبل بها المقلدون.
الشيخ: سبحان الله، الطابع مغير بالكتاب (...) خصوصًا (...) المطبعة عليهم كل شيء.
طالب: يمكن ربع الكتاب زيادة عن المخطوط (...)
الشيخ: لا، الزيادة وأيضًا التقليد.
الطالب: ولم يحملهم ما لا طاقة لهم فيه، ومغفرة الذنوب بإيمانهم، والتوفيق للتوبة.
فالإيمان أكبر وسيلة للقرب من الله، والقرب من رحمته، ونيل ثوابه، وأكبر وسيلة لمغفرة الذنوب، وإزالة الشدائد أو تخفيفها.
وثمرات الإيمان على وجه التفصيل كثيرة، وبالجملة خيرات الدنيا، والآخرة مرتبة على الإيمان، كما أن الشرور مرتبة على فقده، والله أعلم.

طالب آخر: أهل التفسير من المعاصرين يرون إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ [الأنفال: ٢] بالحصر هكذا من لم تتوفر فيه هذه الصفات فليس بمؤمن، الإشكال كبير.
الشيخ: هذا رأي الخوارج.
طالب: ما الجواب عن قولهم الحصر في هذه الآية ..
الشيخ: الحصر أنه المؤمنون كمل

***

القاعدة التاسعة والعشرون: في الفوائد التي يجتنيها العبد في معرفته وفهمه لأجناس علوم القرآن
00:43:59

طالب:

القاعدة التاسعة والعشرون

في الفوائد التي يجتنيها العبد في معرفته، وفهمه لأجناس علوم القرآن

وهذه القاعدة تكاد تكون هي المقصود الأعظم في علم التفسير؛ وذلك أن القرآن مشتمل على علوم متنوعة، وأصناف جليلة من العلوم، فعلى العبد أن يعرف المقصود من كل نوع منها، ويعمل على هذا، ويتتبع الآيات الواردة فيه، فيحصِّل المراد منها: علمًا، وتصديقًا، وحالًا، وعملًا.
فأجلُّ علوم القرآن على الإطلاق: علم التوحيد، وما لله من صفات الكمال، فإذا مرت عليه الآيات في توحيد الله، وأسمائه، وصفاته، أقبل عليها، فإذا فهمها، وفهم المراد بها، أثبتها لله على وجه لا يماثله فيه أحد، وعَرَفَ أنه كما ليس لله مثيل في ذاته، فليس له مثيل في صفاته، وامتلأ قلبه من معرفة ربه وحبه بحسب علمه بكمال الله وعظمته.
فإن القلوب مجبولة على محبة الكمال، فكيف بمن له كل الكمال؟ ومنه جميع النعم الجِزَال. ويعرف أن أصل الأصول هو الإيمان بالله، وأن هذا الأصل يقوى ويكمل بحسب معرفة العبد لربه، وفهمه لمعاني صفاته ونعوته، وامتلاء القلب بمعرفتها ومحبتها.
وأيضًا يعرف أنه بتكميله هذا العلم تكمل علومه، وأعماله، فإن هذا هو أصل العلم، وأصل التعبد.
ومن علوم القرآن: صفات الرسل وأحوالهم..

الشيخ: هذا أعلى أنواع العلوم؛ العلم بالله وبأسمائه وصفاته، وبما له من صفات الكمال والجلال والإحسان؛ لأن الله سبحانه وتعالى تدور صفاته على الكمال المطلق والجلال والعظمة والإحسان، ثم بعد ذلك صفات الرسل عليهم الصلاة والسلام، وما جبلوا عليه من مكارم الأخلاق، ومحاسن الأعمال، وهو النوع الثاني.
الطالب: ومن علوم القرآن: صفات الرسل وأحوالهم، وما جرى لهم وعليهم مع من وافقهم وخالفهم، وما هم عليه من الأوصاف الوافية.
فإذا مرت عليه هذه الآيات عرف بها أوصافهم، وازدادت معرفته بهم ومحبتهم، وعرف ما هم عليه من الأخلاق والأعمال، خصوصًا إمامهم وسيدهم محمد صلى الله عليه وسلم، فيقتدي بأخلاقهم وأعمالهم بحسب ما يقدر عليه، ويفهم أن الإيمان بهم تمامه وكماله معرفته التامة بأحوالهم ومحبتهم واتباعهم. وفي القرآن من نعوتهم الشيء الكثير الذي يحصل به تمام الكفاية.
ويستفيد أيضًا الاقتداء بتعليماتهم العالية، وإرشاداتهم للخلق، وحسن خطابهم، ولطفَ جوابهم، وتمام صبرهم، فليس المقصود من قصصهم أن تكون سمرًا، وإنما المقصود أن تكون عبرًا.

الشيخ: لقوله تعالى: لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ [يوسف: ١١١].
العبرة في قصص الرسل من وجهين: الوجه الأول من جهة أخلاقهم وصبرهم ومعاناتهم لأحوال الخلق، وكيف يدعون الناس، ويتحملون في الدعوة ما لا يتحمله إلا من كان مثلهم.
والوجه الثاني: العبرة بما جرى من أقوامهم وأنهم لم يتقبلوا دعوتهم لأول وهلة، بل نابذوهم وعاندوهم، بل وقاتلوهم، وهذا نوح عليه الصلاة والسلام أول رسول أرسله الله إلى أهل الأرض، لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا، وقد قال الله عنه: وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا [نوح: ٧] نسأل الله العافية.
الحاصل أننا نعتبر من وجهين: من جهة حال الرسل، ومن جهة حال المرسل إليه، فإذا دعونا الناس فإننا لا نريد منهم أن يقبلوا منا في أول لحظة، بل لابد أن نعاني منهم، ما نعاني حتى يقبلوا الحق، ولا نيئس، أو نستحسر، أو نقول: هؤلاء لن يهتدوا، ولهذا لما قالت الطائفة الثالثة: لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ [الأعراف: ١٦٤] إي نعم.
الطالب: ومن علوم القرآن: علم أهل السعادة والخير، وأهل الشقاوة والشر. وفي معرفته لهم ولأوصافهم ونعوتهم فوائد الترغيب في الاقتداء بالأخيار، والترهيب من أحوال الأشرار، والفرقان بين هؤلاء وهؤلاء وبيان الصفات، والطرق التي وصل بها هؤلاء إلى دار النعيم، وأولئك إلى دار الجحيم ومحبة هؤلاء الأتقياء من الإيمان، كما أن بغض أولئك من الإيمان، وكلما كان العبد أعرف بأحوالهم تمكن من هذه المقاصد.
ومن علوم القرآن: علم الجزاء في الدنيا والبرزخ والآخرة على أعمال الخير وأعمال الشر. وفي ذلك مقاصد جليلة: الإيمان بكمال عدل الله وسعة فضله.

الشيخ: جليلة، ويش بعدها أيش عندكم من المطبوعة.
طالب: جليلة الإيمان.
الشيخ: جليلة الإيمان؟
طالب: فيه فصل.
الشيخ: فيه فصل، عندكم فصل، طيب، وفي ذلك مقاصد جليلة: الإيمان. يعني: منها الإيمان، نعم.

***

الطالب: وفي ذلك مقاصد جليلة: الإيمان بكمال عدل الله وسعة فضله، والإيمان باليوم الآخر، فإن تمامَ الإيمان بذلك يتوقف على معرفة ما يكون فيه، والترغيب والترهيب بالرغبة في الأعمال التي رتب الله عليها الجزاء الجزيل، والرهبة من ضدها.
ومن علوم القرآن: الأمر والنهي. وفي ذلك مقاصد جليلة: معرفة حدود ما أنزل الله على رسوله، فإن المكلفين مكلفون بمعرفة ما أمروا به وما نهوا عنه، وبالعمل بذلك، والعلم سابق للعمل، وطريق ذلك: إذا مر عليه نص فيه أمر بشيء عرفه وفَهِم ما يدخل فيه وما لا يدخل، وحاسب نفسه: هل هو قائم بذلك كله أو بعضه أو تاركه، فإن كان قائمًا به فليحمد الله، ويسأله الثبات والزيادة من الخير، وإن كان مقصرًا فيه، فليعلم أنه مطالب به وملزوم به، فليستعن الله على فعله، وليجاهد نفسه على ذلك.
وكذلك في النهي ليعرف ما يراد منه، وما يدخل في ذلك الذي نهى الله عنه، ثم لينظر إلى نفسه فإن كان قد ترك ذلك فليحمد الله على ذلك، ويسأله أن يثبته على ترك المناهي.

الشيخ: ويسألُه ولّا ويسألْه؟ أسألك.
طالب: يجوز.
الشيخ: يجوز؟
الطالب: منصوب.
الشيخ: وجه ابن جني؟
الطالب: منصوب بـ(أن).
الشيخ: منصوبة بـ(أن)؟
الطالب: مضمر (...) عليه أن يسأله.
الشيخ: فليحمد الله على ذلك، ويش بعد؟ ويسألْهُ
الطالب: معطوفة.
الشيخ: على (فليحمد)، صح.
الطالب: فليحمد الله على ذلك، ويسألْهُ أن يثبته على ترك المناهي كما يسأله الثباتَ على فعل الطاعات، وليجعل الداعي له على الترك امتثال طاعة الله، ليكونَ تركه عبادةً، كما كان فعله عبادة، وإن كان غير تارك له فليتبْ إلى الله منه توبة جازمة، وليبادر، ولا تمنعه الشهوات الدنية عن مجانبة ما تدعو إليه النفس الأمارة بالسوء.
فمن كان عند هذه المطالب وغيرها عاملًا على هذه الطريقة، فإنه ماش على الصراط المستقيم والطريقة المثلى فيما عليه من الاسترشاد بكتاب الله، وحصل له بذلك علم غزير وخير كثير.
القاعدة الثلاثون

الشيخ: ساقط؟ كل السقط اللي عندك انقله بعدين، شوف القاعدة بالنسبة إلى الطباعة اللي عندكم؛ ما كان زائدًا على الذي عندنا فهو من كيسك، وليكن في كيسك، فهمت؟ وما كان ناقصًا، فإنك تنقله بعد ذلك.
طالب: ما معنى السمر.
الشيخ: السمر يعني الحديث في الليل، ما فيه أسئلة.
طالب: ملخص القاعدة.
الشيخ: (...) القاعدة، المؤلف رحمه الله بيَّن أن علوم القرآن متعددة متنوعة، فيه كل العلوم، فيه العلم بالله عز وجل وأسمائه وصفاته، وهذا أعلاها وأجلها، العلم برسله، العلم باليوم الآخر، العلم بأحكام الله الشرعية، وكذلك الكونية، العلم بالجزاء، والعلم -مع أنه ما ذكره المؤلف- العلم بما في الكون، مما يدل على كمال حكمة الله عز وجل ورحمته وسعة علمه.
طالب: أوصاف الخير والشر.
الشيخ: نعم، العلم بأوصاف هذا الخير والشر، لأجل أن نتصف بما اتصفوا به، بما اتصف به أهل الخير، ونبتعد عما اتصف به أهل الشر.

***

القاعدة الثلاثون: أركان الإيمان بالأسماء الحسنى
00:58:53

الطالب:

القاعدة الثلاثون

أركان الإيمان بالأسماء الحسنى ثلاثة: إيماننا بالاسم، وبما دل عليه من المعنى، وبما تعلق به من الآثار

وهذه القاعدة العظيمة خاصة بأسماء الرب.
وفي القرآن من الأسماء الحسنى ما ينيف عن ثمانين اسمًا كُررت في آيات متعددة بحسب ما يناسب المقام، كما تقدم بعض الإشارة إلى..

الشيخ: إحنا ذكرنا في القواعد المثلى كم؟ واحدًا وثمانين، ذكرنا في القواعد المثلى من اللي تتبعناها في القرآن واحدًا وثمانين اسمًا، المؤلف هنا يقول: (ما ينيف) يعني ما يزيد.
الطالب: وهذه القاعدة تنفعك في كل اسم من أسمائه الحسنى المتعلقة بالخلق والأمر، والثواب والعقاب، فعليك أن تؤمن بأنه عليم، وذو علم عظيم، محيط بكل شيء، قدير، ذو قدرة وقوة عظيمة، ويقدر على كل شيء، ورحيم، وذو رحمة عظيمة، ورحمته وسعت كل شيء، والثلاثة متلازمة، فالاسم دل على الوصف، وذلك دل على المتعلق، فمن نفى واحدًا من هذه الأمور الثلاثة فإنه لم يتم إيمانه بأسماء الرب وصفاته، الذي هو أصل التوحيد.
ولنكتف بهذا الأنموذج ليُعرف أن الأسماء كلها على هذا النمط.

الشيخ: وهذه القاعدة مرت علينا، وأن هذه الشروط الثلاثة فيما إذا كان الاسم متعديًا، مثل: السميع، والعليم، الخلاق، وما أشبهها.
أما إذا كان لازمًا فإنه يؤمن، أركانه: الإيمان بالاسم والصفة فقط، فمثلًا: الحي، تؤمن بهذا الاسم الحي، اسم من أسماء الله، وتؤمن بأنه ذو حياة، وهذه هي الصفة، لكن ما لها أثر تتعلق به؛ لأن هذه صفة لازمة لا تتعدى موصوفها، مَن الذي أنكر دلالة الاسم على الصفة؟
طالب: المعتزلة.
الشيخ: المعتزلة، قالوا: نؤمن بالاسم بدون أن يكون له صفة، فهو سميع بلا سمع، وبصير بلا بصر، ويدَّعون أن الله سميع بذاته، لا بصفة هي السمع، عليم بذاته، لا بصفة هي العلم، إي نعم.
طالب: (...) هنا صحيح ولّا خطأ مطبعي.
الشيخ: مَن؟
طالب: يقول: الاسم إن دلَّ على الوصف، وذلك دلَّ على المتعلق، صحيح ولّا..
الشيخ: صح.
طالب: إي معنى وذلك دلَّ على المتعلق.
الشيخ: يعني: وصف دلَّ على المتعلق، على ما يتعلق به.
طالب: المراد الوصف؟
الشيخ: إي نعم.
طالب: (...) عربية؟
الشيخ: مشهورة نعم، يمكن أصلها فارسية، لكنها مشهورة؛ عبر بها حتى الفقهاء القدامى.

***

القاعدة الحادية والثلاثون: ربوبية الله في القرآن على نوعين: عامة وخاصة
01:03:13

الطالب:

القاعدة الحادية والثلاثون

ربوبية الله في القرآن على نوعين: عامة وخاصة

كثر في القرآن ذكر ربوبية الرب لعباده، ومتعلقاتها، ولوازمها.
وهي على نوعين:
ربوبية عامة: يدخل فيها المخلوقات كلها: برها وفاجرها، بل مكلفوها وغير المكلفين، حتى الجمادات.
وهي أنه تعالى المنفرد بخلقها ورزقها وتدبيرها، وإعطائها ما تحتاجه أو تضطر إليه في بقائها، وحصول منافعها ومقاصدها، فهذه التربية لا يخرج عنها أحد.
والنوع الثاني: في تربيته لأصفيائه وأوليائه، فيربيهم بالإيمان الكامل، ويوفقهم لتكميله ويُكملهم بالأخلاق الجميلة، ويدفع عنهم الأخلاقَ الرذيلة، وييسرهم لليسرى ويجنبهم العسرى.
وحقيقتها: التوفيق لكل خير، والحفظ من كل شر، وإنالة المحبوبات العاجلة والآجلة، وصرف المكروهات العاجلة والآجلة.
فحيث أُطلقت ربوبيته تعالى، فإن المراد بها المعنى الأول، مثل قوله تعالى: رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة: ٢] وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ [الأنعام: ١٦٤] ونحو ذلك.
وحيث قُيدت بما يحبه ويرضاه، أو وقع السؤال بها من الأنبياء وأتباعهم، فإنما المراد بها النوع الثاني.
وهو متضمن للنوع الأول وزيادة، ولهذا تجد أسئلة الأنبياء وأتباعهم في القرآن بلفظ الربوبية غالبًا، فإن مطالبهم كلها داخلة تحت ربوبيته الخاصة، ليلحظ العبد هذا المعنى النافع.
ونظير هذا المعنى الجليل: أن الله أخبر في عدة آيات أن الخلق كلهم عباده وعبيده: إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا [مريم:٩٣] فكلهم مماليكه، وليس لهم من الملك والأمر شيء.
ويخبر في بعض الآيات أن عباده بعض خلقه؛ كقوله: وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا [الفرقان: ٦٣] ثم ذكر صفاتهم الجليلة، وكقوله: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عِبَادَهُ}، وفي قراءة عَبْدَهُ [الزمر: ٣٦]، وقوله: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ [الإسراء: ١]، وقوله: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا [البقرة: ٢٣] فالمراد بهذا النوع؛ من قاموا بعبودية الله، وأخلصوا له الدين على اختلاف طبقاتهم، فالعبودية الأولى: يدخل فيها البر والفاجر، والعبودية الثانية: صفة الأبرار، ولكن الفرق بين الربوبية والعبودية: أن الربوبية وصف الرب وفعله، والعبودية وصف العبيد وفعلهم.

الشيخ: أفاد المؤلف رحمه الله بهذه القاعدة أن الربوبية على نوعين، والعبودية على نوعين، فالربوبية: عامة وخاصة، والعبودية: عامة وخاصة.
والعبودية تتعلق بالعبد، والربوبية تتعلق بالرب.
فالعبودية المتعلقة بالربوبية هذه هي العامة، التي معناها الملك والتدبير والخلق، والعبودية المتعلقة بالعبد بمعنى طاعة الله عز وجل هذه خاصة بمن أطاع، وقد اجتمع الصنفان في قوله تعالى: قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٧) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ [الشعراء: ٤٧، ٤٨].
رَبِّ الْعَالَمِينَهذه؟
طلبة: عامة.
الشيخ: رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ؟
طلبة: خاصة.
الشيخ: خاصة.
وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا [الفرقان: ٦٣] هذه؟
طلبة: خاصة.
الشيخ: خاصة.
إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ [مريم: ٩٣]؟
طلبة: عامة.
الشيخ: عامة.
«يَا عِبَادِى كُلُّكُمْ جَائِعٌ إِلاَّ مَنْ أَطْعَمْتُهُ» .
طلبة: عامة.
الشيخ: عامة.
إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ [الحجر: ٤٢].
طلبة: خاصة.
طلبة آخرون: عامة.
الشيخ: خاصة؛ لأن الشيطان له سلطان على الذين يتولونه إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩) إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ [النحل: ٩٩، ١٠٠].
فإذن إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌهذه العبودية الخاصة.
فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ [ص: ٨٢، ٨٣].
طلبة: خاصة.
الشيخ: خاصة.
طالب: في قوله: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عِبَادَهُ} مما يوهم على أن الشيخ يرى أن قراءة المصحف: {بِكَافٍ عِبَادَهُ} وأن هناك قراءة سبعية: بِكَافٍ عَبْدَهُ.
الشيخ: هي كلها قراءة سبعية عَبْدَهُو{عِبَادَهُ}.
طالب: (...) يقصد {بِكَافٍ عِبَادَهُ} أنها موجودة في المصحف.
الشيخ: ما أظن، لا يُعلَم، لا (...) ما يُعلَم هذا، المصحف اللي بأيدينا هو قراءة عاصم، ما فيه: {بِكَافٍ عِبَادَهُ}.
طالب: شيخ (...) يفيد أن عباده.
الشيخ: نعم؟
طالب: أو المؤلف رحمه الله يعني مسحها.
الشيخ: خلاص مسحها راحت.
طالب: يفيده؟
الشيخ: ويخبر في بعض الآيات أن عباده بعضهم.

***

القاعدة الثانية والثلاثون: الأمر بالشيء نهي عن ضده
01:10:50

الطالب:

القاعدة الثانية والثلاثون

إذا أمر الله بشيء كان ناهيًا عن ضده، وإذا نهى عن شيء كان آمرًا بضده، وإذا أثنى على نفسه أو على أوليائه وأصفيائه بنفي شيء من النقائص كان ذلك إثباتًا للكمال

وذلك لأنه لا يمكن امتثال الأمر على وجه الكمال إلا بترك ضده، فحيث أمر بالتوحيد، والصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، وبر الوالدين، وصلة الأرحام، والعدل، كان ناهيًا عن الشرك، وعن ترك الصلاة، وترك الزكاة، وترك الصوم، وترك الحج، وعن العقوق، والقطيعة. وحيث نهى عن الشرك والصلاة إلى آخر..

الشيخ: اصبر خلينا نشوف (...) بيقول: (وصلة الأرحام، والعدل كان ناهيًا عن الشرك وعن ترك الصلاة، وترك الزكاة، وترك الصوم، وترك الحج، وعن العقوق، والقطيعة، وحيث نهى عن الشركِ ..).
طالب: (...).
الشيخ: اصبر، فحيث أمر بالتوحيد، وحيث نهى عن الشرك هه؟ وترك الصلاة أو وإضاعة الصلاة
طالب: الشرك؟
الشيخ: عن الشرك وإضاعة الصلاة.
طالب: (...).
الشيخ: عن الشرك وإضاعة الصلاة.
الطالب: وحيث نهى عن الشرك وإضاعة الصلاة إلى آخر المذكورات كان ..
الشيخ: ويش عندك من الطباعة؟
طالب: والصلاة.
الشيخ: عن الشرك وعن الصلاة إي، يعني مثل الأصل.
طالب: (...) تيجي أنها إضاعة (...).
الشيخ: نعم.
الطالب: وحيث نهى عن الشرك، وإضاعة الصلاة إلى آخر المذكورات، كان آمرًا بالتوحيد، وفعل الصلاة إلى آخرها، وحيث أمر بالصبر والشكر، وإقبال القلب على الله إنابة ومحبة وخوفًا ورجاء، كان ناهيًا عن الجزع، والسخط، وكفر النعم، وإعراض القلب عن الله في تعلق هذه الأمور بغيره، وحيث نهى عن الجزع وكفران النعم وغفلة القلب، كان آمرًا بالصبر إلى آخر المذكورات.
وهذا ضربُ مثلٍ، وإلا فكل الأوامر والنواهي على هذا النمط، وكذلك المدح لا يكون إلا بإثبات الكمالات، فحيث أثنى على نفسه تنزهه عن النقائص والعيوب؛ كالنوم، والسِّنَة، واللُّغوب، والموت، وخفاء شيء في العالم من الأعيان والصفات والأعمال وغيرها، والظلم، فلتضمن ذلك الثناءَ عليه بكمال حياته، وكمال قيوميته، وقدرته، وسعة علمه، وكمال عدله؛ لأن العدم المحض لا كمال فيه حتى يُنفى تكميلًا للكمال، وكذلك إذا نفى الله عن كتابه الريب والاختلافَ والشك، والإخبارَ بخلاف الواقع، كان ذلك لكمال دلالته على اليقين في جميع المطالب، واشتماله على الأحكام، والانتظام التام والصدق الكامل، إلى غير ذلك من صفات كتابه، وكذلك إذا نفى عن رسوله الكذب، والتقول، والجنون، والسحر، والشعر، والغرض، ونحوها، كان ذلك لأجل إثبات كمال صدقه، وأنه لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، ولكمال عقله، ولزوال كل ما يقدح في كمال نبوته، ورسالته .
فتفطن لهذه القاعدة في كل ما يمر عليك من الآيات القرآنية في هذه الأمور وغيرها، تنل خيرًا كثيرًا. والله أعلم.

الشيخ: المؤلف رحمه الله يقول: في هذه القاعدة أن الله إذا أمر بالشيء، كان نهيًا عن ترك ذلك الشيء، الذي عبر عنه بضده، وإذا نهى عن شيء كان أمرًا بترك ذلك الشيء. نعم.
وهذه القاعدة ليست على عمومها عند التتبع، فإن ترك المستحبات المندوبات لا يستلزم أن يقع الإنسان في النهي، ولهذا لا نقول: إن ترك المستحب مكروه، فالمكروه شيء، وترك المستحب شيء آخر.
نعم إذا كان الأمر واجبًا كان تركه أيش؟ حرامًا، وأما إذا كان الشيء مستحبًّا، فإنه لا يلزم من تركه أن يقع الإنسان في النهي، وهذا شيء ذكره أهل العلم في الأصول.
أما إذا كان النفي من باب المدح والتمدح بالشيء، فإنه إثبات لماذا؟ لضده، فهو يدل على اتصافه بكمال ضده، فإذا نفى عن نفسه النوم فلكمال حياته وقيوميته.
وإذا نفى عن نفسه التعب، والإعياء، فلكمال قدرته وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ [ق: ٣٨] يعني من تعب وإعياء، وذلك لكمال قدرته سبحانه وتعالى وقوته، وعلى هذا فقس.
وإنما قلنا بذلك لأن النفي المحض عدم محض، والعدم المحض ليس بشيء، فضلا عن أن يكون مدحًا، انتبه للقاعدة.
إنما قلنا هذا لأن أيش؟ النفي المحض عدم محض، والعدم المحض ليس شيئًا، فضلًا عن أن يكون كمالًا، فإن العدم المحض عدم ليس بشيء، فضلًا عن أن يكون كمالًا.
ولهذا نقول: ما من صفة نفاها الله عن نفسه إلا وهي تتضمن ثبوتًا مقابلًا لهذا النفي، وإلا لو كانت نفيًا محضًا لم تكن كمالًا.

***

القاعدة الثالثة والثلاثون: المرض في القرآن -مرض القلوب- نوعان: مرض شبهات وشكوك، ومرض شهوات ومحرمات
01:18:41

الطالب:

القاعدة الثالثة والثلاثون

المرض في القرآن -مرض القلوب- نوعان: مرض شبهات وشكوك، ومرض شهوات محرمات

والطريق إلى تمييز هذا..

طالب آخر: عندنا وفسوق.
الشيخ: فسوق، ومرض شهوات للمحرمات.
طالب: مرض شهوات وفسوق.
الشيخ: عندي للمحرمات.
طالب: نعدلها ولّا (...).
الشيخ: لا، ماشي، نعم.
الطالب: والطريق إلى تمييز هذا من هذا مع كثرة ورودهما في القرآن يُدرك من السياق، فإن كان السياق في ذم المنافقين والمخالفين في شيء من أمور الدين، كان هذا مرض الشكوك والشبهات، وإن كان السياق في ذكر المعاصي، والميل إليها، كان مرضَ شهوة. ووجه انحصار المرض في هذين النوعين: أن مرض القلب خلاف صحته، وصحة القلب الكاملة بشيئين: كمال علمه ومعرفته ويقينه، وكمال إرادته لما يحبه الله ويرضاه.
فالقلب الصحيح هو الذي عرف الحق واتبعه، وعرف الباطل وتركه، فإن كان علمه شكًّا وعنده شبهات تُعارض ما أخبر الله به من أصول الدين وفروعه، كان علمه منحرفًا، وكان مرض قلبه قوة وضعفًا بحسب هذه الشكوك والشبهات، وإن كانت إرادته ومحبته مائلة لشيء من معاصي الله، كان ذلك انحرافًا في إرادته ومرضًا، وقد يجتمع الأمران فيكون القلب منحرفًا في علمه وفي إرادته.
فمن النوع الأول: قوله تعالى عن المنافقين: فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ [البقرة: ١٠]، وهي الشكوك والشبهات المعارضة لرسالة محمد صلى الله عليه وسلم، فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًاعقوبة على ذلك المرض الناتج عن أسباب متعددة، كلها منهم، وهم فيها غير معذورين.
ونظير هذا قوله: وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ [التوبة: ١٢٥]، وكذلك قوله تعالى: لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ [الحج: ٥٣] فإن مريض القلب بالشكوك، وضعف العلم أقل شيء يَريبه ويؤثر فيه ويفتتن به .
ومن الثاني: قوله تعالى: فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ [الأحزاب: ٣٢]، أي: مرض شهوة وإرادة للفجور، أقل شيء من أسباب الافتنان يوقعه في الفتنة طمعًا أو فعلًا.
فكل من أراد شيئًا من معاصي الله فقلبه مريض مرض شهوة، ولو كان صحيحًا لاتصف بصفات الأذكياء الأبرياء الأتقياء الموصوفين بقوله: وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (٧) فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً [الحجرات: ٧، ٨].
فمن كان قلبه على هذا الوصف الذي ذكره الله فليحمده على هذه النعمة التي لا يقاومها شيء من النعم، وليسأل الله الثبات على ذلك، والزيادة من فضل الله ورحمته.
القاعدة الرابعة ..

الشيخ: خلاصة هذه القاعدة أن المرض -مرض القلوب- ينقسم إلى قسمين: مرض شبهة، وهو نقص في العلم، ومرض شهوة وهو نقص في الإرادة، فإذا اعتلت إرادة الإنسان فذلك مرض الشهوة، اعتلت بمعنى صارت إرادته غير ما يبغي الله ورسوله، فهذا مرض قلبه أيش؟ مرض شهوة.
وإذا اعتل القلب بالجهل صار مرضه مرض شبهة؛ لأنه اشتبه عليه الحق فصار مريضًا بذلك، وصحة القلب وسلامته أن يمن الله على الإنسان فيجتمع في قلبه كمال العلم وكمال الإرادة، فإذا اجتمع في القلب كمال العلم وكمال الإرادة فهذا هو القلب الصحيح السليم، وفتش نفسك، فتش قلبك، عالجه، أعتقد أن بعض الناس يطهر بدنه كل يوم بالصابون وأسنانه بالفرشاة لئلا يكون فيها وسخ ودرن، لكن القلب المسكين متروك يشتبه عليه الحق، يريد الباطل ما يهم، ولهذا يجب أننا أن نطهر قلوبنا وننظر فيها، كل يوم نضعها في المختبر والتمحيص حتى ننظر أصحيحة هي أم مريضة؟ ولعلك تقول: كيف يكون هذا القرآن سببًا لزيادة الإيمان في قوم، وسببًا لزيادة الرجس في قوم آخرين؟ فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ [التوبة: ١٢٤، ١٢٥]؛ لأن المؤمنين إذا نزلت الآية صدَّقوا بها، والتصديق زيادة في الإيمان، وأما الذين في قلوبهم مرض فإذا نزلت الآية استكبروا عنها وشكّوا فيها وكذَّبوا، فازدادوا بذلك رجسًا إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون.
طالب: الرجس (...).
الشيخ: الرجس أصلها التدنس بالأوساخ والأقذار.
طالب: معنوية (...).
الشيخ: إي نعم، معنوية.

***

القاعدة الرابعة والثلاثون: دل القرآن في عدة آيات أن من ترك ما ينفعه مع الإمكان ابتلى بالاشتغال بما يضره، وحرم الأمر الأول
01:26:09

الطالب:

القاعدة الرابعة والثلاثون

دل القرآن في عدة آيات أن من ترك ما ينفعه مع الإمكان ابتلي بالاشتغال بما يضره، وحُرم الأمر الأول

وذلك أنه ورد في عدة آيات: أن المشركين لما زهدوا في عبادة الرحمن ابتلوا بعبادة الأوثان، ولما استكبروا عن الانقياد للرسل -بزعمهم أنهم بشر- ابتلوا بالانقياد لكل مارج العقل والدين. ولما عرض عليهم الإيمان أول مرة..

الشيخ: هذا واضح لما عدلوا عن عبادة الله ويش عبدوا؟ اللات والعزى، ولما لم ينقادوا لاتباع الرسول عليه الصلاة والسلام اتبعوا أبا جهل وأشباهه، قال ابن القيم:
هَرَبُوا مِنَ الرِّقِّ الَّذِي خُلِقُوا لَــــــــهُ فَبُلُوا بِرِقِّ النَّفْــــــــــــــسِ وَالشَّيْطَــــــــــانِ

فهؤلاء لما: (هربوا من الرق الذي خلقوا له) وهو عبادة الله عز وجل (بلوا برق النفس والشيطان)، فكانوا عبادًا للشياطين ولأنفسهم الأمّارة بالسوء.
الطالب: ولما عرض عليهم الإيمان أول مرة فعرفوه ثم تركوه، قلب الله قلوبهم، وطبع عليها وختم، فلا يؤمنون حتى يروا العذاب الأليم. ولما بين لهم الصراط المستقيم وزاغوا عنه اختيارًا ورضًا بطريق الغي على طريق الهدى، عوقبوا بأن أزاغ الله قلوبهم، وجعلهم حائرين في طريقهم.
ولما أهانوا آيات الله ورسله أهانهم الله بالعذاب المهين. ولما استكبروا عن الانقياد للحق أذلهم الله في الدنيا والآخرة. ولما منعوا مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وأخربوها ..

طالب آخر: (...).
الشيخ: (...) ما فيها شيء.
الطالب: مارج العقل.
الشيخ: فاسد (...).
الطالب: ولما استكبروا عن الانقياد للحق أذلهم في الدنيا والآخرة. ولما منعوا مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وأخربوها ما كان لهم بعد ذلك أن يدخلوها إلا خائفين: وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥) فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٧٦) فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ [ التوبة: الآيات ٧٥- ٧٧].
والآيات في هذا المعنى كثيرة جدًّا يخبر فيها أن العبد كان قبل ذلك بصدد أن يهتدي